لعقود طويلة، بدا التحالف الأمريكي الإسرائيلي كحقيقة سياسية غير قابلة للنقاش، حيث جرى التعامل مع إسرائيل في أروقة واشنطن باعتبارها امتدادًا استراتيجيًا وعضويًا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
إلا أن التحولات الجيوسياسية المعقدة التي أعقبت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، والتي فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة، والمتمثلة في إسقاط النظام الإيراني وإنهاء البرنامج النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية، دفعت واشنطن إلى الدخول في مسار تفاوضي طويل تخللته مناوشات واستعراض للقوة، لكنه انتهى في النهاية إلى توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني في 18 يونيو الجاري.
غير أن هذا الاتفاق لم يأتِ على هوى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أصبح وجوده السياسي مرتبطًا باستمرار الحروب، وهو المتهم أيضًا بزج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذه الحرب من خلال تصدير مجموعة من الأوهام والتقديرات المضللة للإدارة الأمريكية.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة ملامح خلاف في تطابق الرؤى الذي اعتادت عليه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، إذ فرضت واقعًا جديدًا يوحي بوجود فجوة في المصالح بين الطرفين، مدفوعة بتغير الأولويات الأمريكية وحسابات القوة العظمى، التي لم تعد تتوازى بالضرورة مع حسابات الاندفاع العسكري الإسرائيلي.
ترامب، بوصفه رجل صفقات اقتصادية، لا يتردد في التراجع عن أي استراتيجية قد تسبب خسائر اقتصادية متراكمة، فقد صرّح بوضوح بفشل خيار إسقاط النظام الإيراني، وأن استمرار الحرب كان سيؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي، الأمر الذي دفع واشنطن إلى البحث عن اتفاق ينهي الحرب، رغم أن طهران حققت ضمنيًا بعض مطالبها
وهو ما ترفضه إسرائيل، إذ ترى أن الاتفاق يمثل اعترافًا بإيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وفي الوقت ذاته، تستمر الولايات المتحدة في التلويح بالقوة العسكرية والقدرة على توجيه ضربات ساحقة لإيران إذا تجاوزت الخطوط الحمراء، ما يجعل السياسة الأمريكية مزيجًا من الدبلوماسية الاضطرارية والردع الخشن.
وتعتبر إسرائيل أي تفاهم مع إيران تهديدًا لأمنها القومي، ويزداد القلق الإسرائيلي مع الأبعاد الإقليمية المرافقة لأي مسار سياسي، خاصة مع مساعي إيران لربط الساحة اللبنانية بهذه التفاهمات، وترى إسرائيل في هذا الترابط فرصة لتثبيت النفوذ الإيراني وتوفير ظهير سياسي واقتصادي قوي لحزب الله، في حين ترى واشنطن، في ظل المتغيرات القائمة، أن المصلحة في الوقت الراهن تكمن في تهدئة الجبهات والبحث عن استقرار إقليمي.
أمام هذا المشهد، يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن اعتبار هذا التباين في المصالح بداية لتخلي أمريكا عن إسرائيل؟
من المبكر جدًا تقديم إجابة قاطعة بالإيجاب؛ إذ لا يُتوقع استراتيجيًا أن تتخلى واشنطن عن حليفتها الأهم في المنطقة، لأن خطوة كهذه ستعني، بصورة أو بأخرى، تراجعًا كبيرًا في شكل نفوذها التقليدي في الشرق الأوسط، حيث تمثل إسرائيل تاريخيًا أحد أهم مرتكزات الحضور الجيوسياسي الأمريكي في المنطقة.
يمكن تفسير التناقض الحالي بأن الولايات المتحدة ترى أن توسيع دوائر الحرب الإقليمية التي تخوضها إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو بات يشكل عبئًا غير ضروري، ولا يصب في مصلحة أي من الطرفين، وقد ظهر ذلك في الانتقادات العلنية التي وجهها ترامب لنتنياهو وسلوكه العسكري، إلى جانب الاتهامات الداخلية والخارجية التي ترى أن نتنياهو يؤجج النزاع بدافع الحفاظ على مصالحه السياسية والشخصية الضيقة.
ومن المؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكنها بسهولة استبدال تحالفها مع إسرائيل بتحالفات بديلة في المنطقة، نظرًا لعمق الترابط السياسي والثقافي والاقتصادي والمؤسساتي بين واشنطن وتل أبيب، فضلًا عن طبيعة النظرة البراغماتية التي تحكم حسابات مراكز صنع القرار الأمريكية تجاه المنطقة.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن الجزم باستمرار الاتفاق الأمريكي الإيراني، خاصة أن كثيرًا من القضايا الجوهرية والمصيرية لم تُحسم بعد، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني، كما أن السياسة الأمريكية عُرفت تاريخيًا بإمكانية التراجع عن التزاماتها وإحداث انعطافات حادة تبعًا لتغير المصالح، كما حدث في الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018.
لذلك، يبقى من المبكر الحديث عن تحول استراتيجي أو طلاق بائن بين واشنطن وتل أبيب، بل إن ما نشهده هو تباين في إدارة الملفات تحت سقف التحالف الاستراتيجي نفسه.
في المحصلة، وعلى الرغم من الخلافات الظاهرة وافتراق التكتيكات، فإن الولايات المتحدة لن تذهب بعيدًا في التخلي عن إسرائيل باعتبارها حليفها الاستراتيجي الأوثق في الشرق الأوسط، وما يجري اليوم هو محاولة أمريكية للضغط على تل أبيب من أجل القبول بالمسار السياسي الذي يسعى ترامب إلى المضي فيه بما يحقق المصالح الأمريكية، مع الحرص على عدم المساس بالمصالح الأمنية الإسرائيلية الحيوية، وفي المقابل لا يمكن استبعاد احتمال انهيار التفاهمات الأمريكية الإيرانية أو عودة خيار المواجهة، إذ تؤكد تجارب المنطقة أن التحالفات والتفاهمات تبقى محكومة بمنطق المصالح وتوازنات القوة المتغيرة.









