26 يونيو 2026|القاهرة 28 °

يركضون خلف الدهشة الأولى

أحياناً لا تحتاج الذاكرة إلى أكثر من صورة واحدة كي تستيقظ. هذا ما حدث عندما نشرت صور سيارات "لاند روفر" ذات ألوان قوس قزح التي وصلت إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين سنة 1989

بقلم: محمد مولود مولاي لحسن
منذ 7 ساعة
3 دقائق قراءة
11 مشاهدة
أحياناً لا تحتاج الذاكرة إلى أكثر من صورة واحدة كي تستيقظ.

أحياناً لا تحتاج الذاكرة إلى أكثر من صورة واحدة كي تستيقظ.

أحياناً لا تحتاج الذاكرة إلى أكثر من صورة واحدة كي تستيقظ. هذا ما حدث عندما نشرت صور سيارات "لاند روفر" ذات ألوان قوس قزح التي وصلت إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين سنة 1989 ضمن قافلة تضامن إنسانية وسياسية قادها اللورد كريس وينشلسي ومجموعة من المتضامنين البريطانيين.

لم تكن مفاجأتي في عدد الإعجابات أو التعليقات، بل في الاتصالات التي انهالت من أماكن مختلفة. لم تأتِ فقط من ولايات مخيمات اللاجئين الصحراويين، بل وصلت أيضاً من مدن أوروبية متفرقة يعيش فيها صحراويون حملتهم ظروف الحياة إلى الضفة الأخرى من البحر.

كانت الصورة تسافر أسرع من أصحابها. تنتقل بين المخيمات والمدن الأوروبية، وتطرق أبواب ذاكرة واحدة رغم تباعد العناوين واختلاف الأزمنة. وفجأة لم تعد الصورة مجرد صورة لسيارة قديمة، بل تحولت إلى نقطة لقاء بين أبناء جيل كامل. جيل فرّقته الجغرافيا، لكن الذاكرة ظلت تجمعه حول تفاصيل صغيرة لا تزال حية في وجدانه.

WhatsApp Image 2026-06-26 at 12.45.13 AM (1).jpeg


 

استمعت إلى أصوات رجال ونساء لم يعيشوا في المكان نفسه منذ سنوات طويلة. بعضهم يقيم في المخيمات، وبعضهم في إسبانيا أو فرنسا أو غيرها من البلدان الأوروبية. لكنهم جميعاً كانوا يتحدثون باللهجة نفسها التي تتحدث بها الذكريات عندما تستيقظ.

لم يتحدثوا عن السياسة ولا عن تحولات العالم خلال العقود الماضية. تحدثوا عن اليوم الذي دخلت فيه تلك السيارات الملونة إلى المخيمات. تحدثوا عن الأطفال الذين ركضوا خلفها، وعن الألوان التي كسرت رتابة المشهد الصحراوي، وعن الشعور الذي ولد في نفوسهم يومها بأن هناك من جاء من بعيد ليقول لهم إنهم ليسوا وحدهم.

كانت تلك السيارات أكثر من وسيلة نقل. كانت حدثاً بصرياً وإنسانياً في زمن كانت فيه الحياة تسير بإيقاع شديد القسوة. ولهذا بقيت صورتها عالقة في الذاكرة، لا باعتبارها مركبات، بل باعتبارها جزءاً من طفولة جيل كامل.

وما أدهشني أكثر أن الصورة نجحت فيما تعجز عنه أحياناً الخطابات الطويلة واللقاءات الرسمية؛ لقد جمعت الشتات. جمعت أناساً فرقتهم الحدود والمسافات والسنوات، لكنها أعادتهم للحظة واحدة عاشوها معاً.

وهنا فهمت أن بعض الصور لا توثق الماضي فحسب، بل تعيد بناء الجسور بين من فرقتهم الحياة. فهي لا تحفظ الحدث فقط، بل تحفظ الشعور المشترك الذي عاشه الناس وهم يشاهدونه للمرة الأولى.

لقد جمعت صورة واحدة ما بعثرته الجغرافيا لعقود، وأثبتت أن الذاكرة قد تكون أحياناً أقوى من المسافة، وأن الإنسان مهما ابتعد يبقى مرتبطاً بالأماكن التي شهدت دهشته الأولى.

ولهذا رأيت رجالاً ونساءً أثقلتهم السنوات واختلفت بهم الطرق، لكن صورة لاند روفر بألوان قوس قزح كانت كافية لتسقط عنهم أعمارهم كلها، فيبتسموا كما لو أنهم ما زالوا أطفال المخيم، يركضون خلف الدهشة الأولى.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

محمد مولود مولاي لحسن

كاتب صحراوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

يركضون خلف الدهشة الأولى - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°