في عالمٍ تعلو فيه شعارات الدفاع عن حقوق اللاجئين، وتتكاثر فيه تقارير المنظمات الإنسانية، يظل واقع مخيمات اللاجئين الصحراويين استثناءً مؤلمًا، لا بسبب غياب هذه المنظمات، بل بسبب محدودية أثرها وتقاعسها عن أداء دورها الإنساني الكامل.
حضورٌ شكليّ في كثير من الأحيان، تُقيده الحسابات السياسية وتُربكه الدعايات المغرضة، في مقدمتها الدعاية المغربية التي تسعى إلى طمس حقيقة المعاناة.
نصف قرن من اللجوء لم يكن انتظارًا سلبيًا للمساعدات، بل كان اختبارًا تاريخيًا لقدرة الإنسان الصحراوي على الصمود في ظل فراغ إنساني واضح. فقد وجد نفسه مضطرًا لبناء مأواه بيديه، وخوض أعمال شاقة لتأمين قوت يومه، بينما عجزت المنظومة الدولية عن ضمان الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، كتوفر الغذاء المتوازن من لحوم وخضروات وفواكه، وهي حقوق لا تقبل التجزئة ولا التأجيل.
ولا يقف الأمر عند حدود التقاعس، بل يتجاوزه إلى غياب شبه تام لروح التضامن الإنساني الحقيقي، حيث لم يعد اللاجئ يرى من هذا التضامن سوى شعارات مكتوبة بخط عريض على شاحنات المساعدات، شاحناتٌ هرِمة تُثقل كاهل المخيمات بدخانها وروائح محركاتها القديمة، حتى بات حضورها يرمز إلى مأساة تتجدد أكثر مما يرمز إلى نجدة تُرجى.
هذا العجز لا يمكن تفسيره فقط بندرة الموارد، بل يكشف خللًا أعمق في أولويات العمل الإنساني، حيث تتحول بعض التدخلات إلى إجراءات ظرفية لا ترقى إلى مستوى الالتزام المستمر، مما يجعل اللاجئ يعيش على هامش الاهتمام الدولي بدل أن يكون في صلبه.
وأمام هذا التقاعس، لم يستسلم الإنسان الصحراوي، بل أعاد تشكيل واقعه بوسائله الخاصة. فقد اتجه إلى الأرض، يروّض قسوتها ويُكيّفها مع الزراعة، لتنشأ المزارع العائلية كمبادرات نابعة من الحاجة، نجحت في عدة ولايات ووفّرت قدرًا من الاكتفاء الذاتي.
غير أن هذا النجاح، رغم أهميته، يطرح مفارقة مؤلمة: حين يصبح الاكتفاء الذاتي بديلًا عن واجب إنساني دولي، لا خيارًا داعمًا له. فهل يُعقل أن يُترك اللاجئ ليؤدي دور المنظمات بدل أن تكون هذه الأخيرة سندًا له؟
إن ما يحدث اليوم لا يعكس فقط معاناة ممتدة، بل يكشف بوضوح أن الشعارات الإنسانية، في كثير من الأحيان، لم تُترجم إلى التزام فعلي على الأرض. وهو ما يستدعي مساءلة حقيقية وجادة، تعيد الاعتبار للإنسان كغاية، لا كرقم في تقارير موسمية.







