في مشهد تاريخي مهيب، افتتحت مصر مساء اليوم المتحف المصري الكبير، أضخم متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، وسط متابعة عالمية غير مسبوقة من وسائل الإعلام ومؤسسات الثقافة والآثار حول العالم. الحدث الذي طال انتظاره أكثر من عقدين، مثّل تتويجًا لمسيرة طويلة من العمل الدؤوب لإحياء تراث يمتد لآلاف السنين ويؤكد ريادة مصر الحضارية والإنسانية.
“سلام من أرض السلام”.. شريهان تفتتح الليلة التاريخية
استهلت الفنانة شريهان فعاليات الحفل بكلمات مؤثرة ألهبت مشاعر الحاضرين، قائلة: "سلام من أرض السلام... من هنا بدأت الحكاية، حكاية حضارة علّمت الإنسانية أن مصيرنا واحد مهما اختلفنا، كلنا قلب واحد، ومن كل قارات العالم بنعزف لحنًا واحدًا".
وجسدت كلمتها فكرة أن المتحف لا يمثل مجرد مبنى أثري، بل رسالة ثقافية وإنسانية تؤكد وحدة الحضارات وتفاعلها.
عقب الكلمة الافتتاحية، انطلقت العروض الفنية والموسيقية التي قُدّمت بالتزامن من عدد من عواصم العالم، في مشهد رمزي يعكس امتداد الحضارة المصرية عبر الزمن والمكان، وقدرتها على التواصل مع الثقافات الأخرى بلغة الفن والجمال.
موسيقى مصرية عالمية.. أمام الرئيس السيسي ووفود 79 دولة
قدّم المايسترو ناير ناجي والموسيقار هشام نزيه عرضًا موسيقيًا مبهرًا أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، بحضور 79 وفدًا رسميًا من مختلف دول العالم، من بينهم 39 وفدًا يرأسه ملوك ورؤساء دول وحكومات.
المقطوعات الموسيقية التي عُزفت خلال الحفل مزجت بين التراث المصري والأنغام الحديثة في مشهد يوصف بأنه "حوار بين الماضي والمستقبل"، عبّر عن عمق الهوية المصرية وتطورها الثقافي.
من هو المايسترو ناير ناجي؟
يُعد ناير ناجي أحد أبرز المايستروهات المصريين المعاصرين. وُلد في الإسكندرية عام 1970، ودرس البيانو في القاهرة ولندن وباريس، قبل أن ينال عام 2001 دبلوم القيادة الأوركسترالية من المدرسة العليا للموسيقى في باريس.
شارك في قيادة عروض دولية كبرى، من بينها مهرجان “دي برينتمبس دي أليزس” بالمغرب، وعروض “كورال الثقافات الثلاث” في فرنسا، إضافة إلى مشاركته في منتدى شباب العالم.
المتحف المصري الكبير.. صرح حضاري فريد
يُعدّ المتحف المصري الكبير (GEM) مشروعًا قوميًا عملاقًا، يقع بالقرب من أهرامات الجيزة، ويضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تمثل جميع العصور الفرعونية، من الدولة القديمة حتى العصر اليوناني الروماني.
ومن أبرز معروضاته المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، التي تضم أكثر من 5 آلاف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة مجتمعة في مكان واحد.
المتحف بُني على مساحة إجمالية تبلغ نحو 500 ألف متر مربع (ما يعادل 70 ملعب كرة قدم)، ويضم صالات عرض متطورة ومركزًا للترميم وبنية تحتية تكنولوجية متقدمة، ليصبح مركزًا عالميًا للحفاظ على التراث الإنساني.
الدرج العظيم.. أيقونة التصميم المصري
يُعد “الدرج العظيم” في قلب المتحف من أبرز عناصره المعمارية، إذ تصطف على جانبيه تماثيل ضخمة لملوك مصر القدماء في مشهد مهيب يرمز إلى موكب الخلود.
التصميم يجسد عبقرية المعمار المصري القديم ممزوجة بالحداثة المعمارية، ليقدّم تجربة بصرية وروحية فريدة لكل زائر، تُعيده إلى عصور المجد الملكي للحضارة الفرعونية.
رحلة نقل تمثال رمسيس الثاني.. بداية الحلم
بدأت فكرة المتحف المصري الكبير فعليًا في أوائل الألفية، حين نُقل تمثال رمسيس الثاني من ميدان رمسيس بوسط القاهرة إلى موقع المتحف الجديد عام 2006، في واحدة من أعقد عمليات النقل الأثري في العالم.
ومنذ ذلك التاريخ، تحوّل الموقع إلى رمز لميلاد متحف القرن الحادي والعشرين، حيث تم العمل على تصميم يدمج بين الهوية المصرية القديمة والتكنولوجيا الحديثة.
حضور دولي يعكس مكانة مصر
حفل الافتتاح الذي تابعته وسائل إعلام عالمية من أكثر من 120 دولة، شهد مشاركة شخصيات ثقافية وسياسية بارزة من الشرق والغرب، في تأكيد على الريادة الثقافية لمصر ودورها الحضاري المؤثر.
ويُنظر إلى هذا الافتتاح كأحد أبرز الأحداث الثقافية العالمية خلال العقدين الأخيرين، حيث يعيد المتحف مصر إلى مركز الاهتمام الدولي كقلب للتراث الإنساني.
رمز للهوية والانفتاح
يرى محللون أن افتتاح المتحف المصري الكبير يحمل أبعادًا تتجاوز الجانب الأثري، إذ يعبر عن قوة مصر الناعمة ودورها في توظيف التاريخ لخدمة المستقبل.
فهو ليس مجرد متحف للعرض، بل مؤسسة متكاملة تجمع بين البحث العلمي والتعليم والسياحة الثقافية، وتعكس رؤية مصر لبناء نهضة حديثة تستلهم من جذور الحضارة.










