4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

قانون تجريم الاستعمار الفرنسي.. الجزائر تنتقل من الدفاع إلى الهجوم التشريعي ضد باريس

قانون تجريم الاستعمار الفرنسي.. الجزائر تنتقل من الدفاع إلى الهجوم التشريعي ضد باريس

بقلم: محمد خميس
٢٠ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
9 مشاهدة
البرلمان الجزائري.

البرلمان الجزائري.

 قانون تجريم الاستعمار الفرنسي الجزائر.. "صفعة قانونية" لإرث الاحتلال.. الجزائر تنتقل من الدفاع إلى الهجوم التشريعي ضد باريس.

تعيش الجزائر في شهر ديسمبر 2025 لحظة تشريعية فارقة، حيث اجتمع نواب المجلس الشعبي الوطني لمناقشة حزمة من القوانين التي تمس جوهر الهوية الوطنية والسيادة المطلقة. 

وفي مقدمة هذه الملفات، يأتي "قانون تجريم الاستعمار الفرنسي" الذي طال انتظاره، إلى جانب تعديلات جوهرية على "قانون الجنسية"، في خطوة تعكس رغبة الدولة في تحصين الجبهة الداخلية وتصفية تركة الماضي الاستعماري بآليات قانونية ملزمة.

 قانون تجريم الاستعمار الفرنسي.. "صفعة قانونية" لإرث الاحتلال

في جلسة علنية تاريخية ترأسها إبراهيم بوغالي، بدأ البرلمان الجزائري مناقشة مقترح قانون يتضمن تجريم الاستعمار الفرنسي للفترة ما بين (1830-1962). هذا المشروع ليس مجرد نص قانوني، بل هو "فعل سيادي" يعيد صياغة العلاقة مع باريس.

 أبرز بنود مشروع قانون التجريم (2025)

يتألف مشروع القانون من 5 فصول و27 مادة، تهدف إلى وضع إطار قانوني شامل للمحاسبة التاريخية توصيف الجرائم و حظر تمجيد الاستعمار و المطالبة بالتعويضات والأرشيف وإلزام الدولة الفرنسية قانونياً بتسليم خرائط الألغام، ومواقع التفجيرات النووية، والأرشيف المنهوب، مع فتح الباب للمطالبة بتعويضات مادية ومعنوية و الاعتذار الرسمي وتحويل شرط "الاعتراف والاعتذار" من مطلب سياسي إلى ركيزة قانونية لأي تعاون مستقبلي.

الجرائم لا تسقط بالتقادم..  لماذا اختار البرلمان الجزائري هذا التوقيت لتفعيل "قانون التجريم"؟
 

دلالات "الاجماع البرلماني"

ولأول مرة، اتفقت جميع الكتل البرلمانية على تفويض رئيس المجلس لتقديم المشروع، مما يعكس وحدة الصف الوطني. وقد اتشح النواب بالعلم الوطني في الجلسة، في رسالة رمزية بأن "الذاكرة لا تقبل القسمة ولا المساومة".

تعديل قانون الجنسية.. "الولاء والانتماء" تحت المجهر

وبالتزامن مع ملف الذاكرة، ناقش البرلمان تعديلات مثيرة للجدل على قانون الجنسية، تهدف إلى سد الثغرات القانونية وحماية "الوحدة الوطنية".

حالات التجريد من الجنسية “الأصلية والمكتسبة”

ويتضمن المقترح بنوداً تسمح بسحب الجنسية في حالات استثنائية جداً، منها الإضرار بمصالح الدولة والقيام بأفعال في الخارج من شأنها إلحاق ضرر جسيم بالمصالح الحيوية للجزائر أو المساس بالوحدة الوطنية والولاء لدولة أجنبية و إظهار الولاء لدولة معادية أو العمل لصالح أجهزة أمنية أجنبية بعد توجيه إنذار رسمي والإرهاب والتحريض والتورط في تمويل أو دعم منظمات مصنفة إرهابية تستهدف استقرار البلاد من الخارج.

 ضمانات قانونية وتسهيلات

وأكد وزير العدل، لطفي بوجمعة، أن هذه الإجراءات ستبقى "استثنائية" وتخضع لرقابة قضائية صارمة، مع إمكانية استرداد الجنسية بعد عامين في حال زوال الأسباب، مما يوازن بين مقتضيات الأمن وحقوق المواطنة.

تحليل البعد السياسي والرمزي للقوانين الجديدة

يأتي قانون التجريم كرد مباشر على السياسات الفرنسية التي ترفض الاعتراف الكامل بالجرائم الاستعمارية. الجزائر اليوم تنتقل من "الدفاع" إلى "الهجوم القانوني"، مستخدمةً آليات القانون الدولي التي تمنع الإفلات من العقاب في جرائم الحرب.

تعديلات قانون الجنسية تهدف إلى قطع الطريق أمام استخدام "المواطنة" كغطاء للقيام بأنشطة تخريبية مدفوعة من جهات خارجية. الرمزية هنا تكمن في أن "الجنسية ليست مجرد ورقة، بل هي عهد ولاء للوطن".

عبر استضافة "المؤتمر الإفريقي لتجريم الاستعمار" وتفعيل لوائح الاتحاد الإفريقي، تسعى الجزائر لقيادة حراك قاري يطالب بالعدالة التاريخية، مما يعزز مكانتها كقلعة للتحرر في الجنوب العالمي.

التداعيات المتوقعة على العلاقات الجزائرية-الفرنسية

من المتوقع أن تؤدي هذه الخطوات البرلمانية إلى أزمة دبلوماسية أعمق فباريس قد تنظر للقانون كإجراء "عدائي"، مما قد يؤدي لتعليق بعض الاتفاقيات الثنائية و إعادة صياغة ملف الذاكرة وسيجبر القانون فرنسا على التعامل مع الملف كقضية "حقوق وقانون" وليس مجرد "نقاش تاريخي" بين الأكاديميين والضغط الشعبي في فرنسا فقد يحرك القانون القوى الحقوقية داخل فرنسا لمساندة المطالب الجزائرية العادلة.

إن مناقشات البرلمان الجزائري في ديسمبر 2025 تمثل "الاستقلال الثاني" قانونياً وذهنياً. فبينما يغلق "قانون تجريم الاستعمار" أبواب الماضي على أساس العدالة، يفتح "قانون الجنسية" أبواب المستقبل على أساس الولاء والسيادة. الجزائر اليوم لا تكتفي باستحضار التاريخ، بل تكتبه بنصوص تشريعية تحمي حقوق الأجيال القادمة.

منذ استقلال الجزائر عام 1962، ظل ملف الذاكرة "لغماً" يعطل تطبيع العلاقات مع فرنسا. ورغم المبادرات السياسية السابقة، مثل "لجنة الذاكرة المشتركة"، إلا أن رفض فرنسا الرسمي للاعتذار حال دون تقدم حقيقي. بدأت فكرة تجريم الاستعمار برلمانياً في 2006 كرد فعل على قانون فرنسي يُمجد الاستعمار، لكنها لم تجد طريقها للمناقشة العلنية إلا في 2025. يعكس هذا التحول نضج الإرادة السياسية الجزائرية في انتزاع الحقوق التاريخية، مدعومة بدستور 2020 الذي جعل من حماية الذاكرة الوطنية واجباً دستورياً مقدساً لا يقبل التنازل.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

قانون تجريم الاستعمار الفرنسي.. الجزائر تنتقل من الدفاع إلى الهجوم التشريعي ضد باريس - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°