تقسيم اليمن والصومال والسودان.. أحداث متلاحقة ومتشابهة ترتبط بمنطقة القرن الأفريقي ومضيق باب المندب ومنها إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن والمدعوم إماراتيا منذ ساعات استقلاله عن اليمن وتأسيس ما يسمى بدولة الجنوب العربي وتدشين دستور خاص بها، وكذلك إعلان أرض الصومال دولة مستقلة عن الصومال باعتراف إسرائيلي أثار إدانات عربية وإسلامية، إلى جانب ما يحدث في السودان من انقسام داخلي وحرب أهلية.
تقسيم اليمن والصومال والسودان.. دور وظيفي
العامل المشترك بين كل هذه الأمور هو تدخل دولة الإمارات العربية المتحدة والتي تلعب دورا وظيفيا في دعم دولة الاحتلال الإسرائيلي وتوسيع تشابكاتها في منطقة الشرق الأوسط، إذ دائما ما تدعم فصيل ضد الآخر في عدة بلدان عربية منها اليمن والصومال وليبيا والسودان، أيضا أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية اليوم الجمعة اكتمال انتشار قوات من البحرية السعودية في بحر العرب، بغرض إجراء "عمليات تفتيش ومكافحة التهريب"، الانتشار السعودي أعلنه متحدث تحالف دعم الشرعية في اليمن تركي المالكي، في تدوينة على حسابه الرسمي بمنصة "إكس"، قائلا "أكملت القوات البحرية الملكية السعودية انتشارها في بحر العرب للقيام بعمليات التفتيش ومكافحة التهريب".
تقسيم اليمن والصومال والسودان.. عمليات تفتيش ومكافحة التهريب
وأعلن المالكي أن الهدف هو تنفيذ عمليات تفتيش ومكافحة التهريب، دون تحديد إطار زمني محدد، مما يرجّح أنه انتشار مهماتي مرتبط بمتطلبات المرحلة والتطورات المتعلقة بحضرموت والمهرة.
يترافق إعلان انتشار البحرية السعودية في بحر العرب مع إعلان محافظ حضرموت سالم الخنبشي اليوم الجمعة إطلاق عملية "استلام المعسكرات" لتسلم المواقع العسكرية من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.
وبعدها أعلن المحافظ السيطرة على معسكر اللواء 37 في الخشعة أكبر قاعدة عسكرية في حضرموت، بعد تقارير ومشاهد مصورة عن اندلاع اشتباكات بين قوات درع الوطن الموالية للحكومة اليمنية وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي داخل المعسكر في وادي حضرموت، في حين قصفت مقاتلات تحالف دعم الشرعية قوات الانتقالي الجنوبي في محيط المعسكر.
كما أشار جوناثان أديري، عن قناة N12 عبر مقال "إسرائيل اللاعب الأساسي في إعادة تشكيل الشرق الأوسط"، إلى أن التحركات الدراماتيكية في الأسابيع الأخيرة، وعلى رأسها الاعتراف التاريخي بسيادة "أرض الصومال"، ولادة عقيدة جديدة: تحالف "من الهند إلى كوش"، وتضع هذه العقيدة إسرائيل في قلب منظومة تحالفات ترتكز على أربعة محاور مركزية: الهند شرقاً، وإثيوبيا جنوباً، وأذربيجان شمالاً، واليونان وقبرص غرباً.
وأوضح أن "أرض الصومال" ليست مجرد إقليم، بل أيضاً هي فيزياء الجغرافيا السياسية، إذ تقع أرض الصومال على الممر المفتاحي لدخول البحر الأحمر، الذي يمر عبره نحو 30% من حركة الحاويات العالمية، وعلى الضفة الأُخرى من هذا المضيق البحري الضيق، يقع اليمن والحوثيون، كما أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يمنح شرعية لمذكرة التفاهم الإثيوبية بشأن استئجار الساحل، وبذلك يساعد أديس أبابا في مواجهة الحصار التركي - المصري - الإريتري الذي يضيّق الخناق عليها.
تقسيم اليمن والصومال والسودان.. من الهند إلى كوش
وأكد أن التحالف الإسرائيلي مع الهند، الذي اكتسب زخمه خلال زيارة مودي إلى أديس أبابا، يشكّل المحرك لمحور "من الهند إلى كوش"، الهادف إلى كبح التمدد التركي وإنشاء توازن جيوسياسي جديد، والاعتراف بـ "أرض الصومال" هو حلقة ضمن عقيدة أمن قومي إسرائيلية جديدة، وقطعة أساسية في أحجية توحد المسار بأكمله، فهو يتيح لإسرائيل إسقاط القوة بعيداً عن حدودها، وتأمين طرق تجارة حيوية، وبناء تحالفات مع قوى عالمية على أساس مصالح مشتركة.
وتطرق إلى الجانب اليمن مؤكدا أن هذا التزامن بين الانتشار البحري والمواجهات في حضرموت، يعكس تكاملا بين الضغط البحري والجوي لضبط خطوط الإمداد ومنع وصول أي إمداد ما وسط مؤشرات على أن التحرك جزء من خطة أوسع لإعادة ضبط الوضع الأمني في شرق اليمن، خصوصًا محافظتي حضرموت والمهرة.
تقسيم اليمن والصومال والسودان.. بحر العرب
كما يرى مراقبون أن إعلان الانتشار يحمل رسائل ردع لشبكات التهريب وأطراف إقليمية قد تستغل التطورات والفوضى في الشرق اليمني، إلى جانب أن ذلك قد يشكل طوقا بحريا يكمل الضربات الجوية، ويحد من تغذية المواجهات بالإمدادات عبر البحر.
يقع بحر العرب في الجزء الشمالي الغربي من المحيط الهندي، ويحده من الغرب القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية، ومن الشمال إيران وباكستان، ومن الشرق الهند، ويصل إلى الخليج العربي وخليج عُمان عبر مضيق هرمز، وإلى البحر الأحمر وخليج عدن عبر مضيق باب المندب.
يمتد بحر العرب على مساحة نحو 3 ملايين و862 ألف كيلومتر مربع، ويضم جزرا مهمة مثل سقطرى، كما يصب فيه نهر السند ونهر نرمادة، ويُقسم إلى حوضي العرب والصومال.
وكان بحر العرب تاريخيا أحد أهم طرق التجارة بين الشرق والغرب، إذ يعود استخدامه إلى طريق الحرير البحري القديم، ومكّن هذا البحر التجار من شبه الجزيرة العربية والهند وشرق أفريقيا وما وراءها من تبادل السلع والأفكار والثقافات.
تقسيم اليمن والصومال والسودان.. الصين تعترض
كما أن الصين اعترضت بقوة على الاعتراف الإسرائيلي بـ"إقليم أرض الصومال الانفصالي"، مستخدمة تعبيرات مثل؛ "التآمر مع قوى خارجية"، فالصين عضو في مجلس الأمن، وترفض بحزم منح الكيانات الانفصالية قبلة حياة، فلديها على ترابها الوطني أزمات خاملة من هذه الشاكلة.
كان المفكر البريطاني هوبزباوم يرى أن القوميات الصغيرة، ذات النزعات الانفصالية، لا ينبغي النظر إليها بوصفها حركات تحرر، بل باعتبارها حركات أنانية اقتصادية ستفضي في نهاية المطاف إلى التفتت والتشظي.
تقسيم اليمن والصومال والسودان.. إسرائيل بوابة
وتبدو إسرائيل في هذه الحالة هي بوابة "إقليم أرض الصومال الانفصالي" الوحيدة إلى العالم، ولن يمضي سوى وقت قصير حتى يجري ابتلاعه إسرائيليا. طريق النجاة شبه مستحيل، وهو أن يحصل "إقليم أرض الصومال الانفصالي" على اعتراف دولي وعضوية في الأمم المتحدة، غير أن هذا الحلم بعيد المنال، ولا يبدو العالم مستعدا لخلق تلك السابقة القانونية، ولا لمنح الحركات الانفصالية "الوقود الذي لا ينضب" من الإلهام والمثال. مصيرٌ مماثل ينتظر جنوب اليمن الذي شرع في تقديم عروض التطبيع مع إسرائيل، الأخ الأكبر الجديد، قبل أن يصادر آخر بندقية تتبع الدولة الوطنية.
كما نشرت "يسرائيل هيوم" مقالة للكاتب أفيل شنايدر تحت عنوان: "صديق إسرائيل السري الجديد في اليمن"، ليؤكد شنايدر أن مسؤولين إسرائيليين في القدس أخبروه عن لقاءات أجروها مع قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي، والانتقالي، بدا منفتحا على فكرة مد الجسور مع إسرائيل، وذكرت صحيفة "معاريف" بالأمس أن مصادرها داخل المجلس الانتقالي عبرت عن أمنيتها في أن تقدِم إسرائيل على الخطوة التالية وهي الاعتراف بـ"الكيان" الذي سيعلنه المجلس الانتقالي.
تقسيم اليمن والصومال والسودان.. غنيمة استراتيجية كبرى
بالنسبة لإسرائيل فتلك غنيمة استراتيجية كبرى تطل على المياه الثمينة. تدرك إسرائيل أن الكيان الجديد، جنوب اليمن، سيلاقي مصير "إقليم أرض الصومال" على الخارطة السياسية، ولن يعدو كونه جمهورية مجمدة لا يعترف بها سوى ثلة من الدول. وضع مثالي بالنسبة لإسرائيل، سيجعلها قادرة على مد الكوريدور الأمني- العسكري الخاص بها حتى المحيط الهندي.
إصرار قادة المجلس الانتقالي على فكرة الانفصال يبدو قفزة إلى المجهول، بل المعلوم سياسيا، وهو العزلة الدولية. فقد أعقب اعتراف إسرائيل بـ"إقليم أرض الصومال" رد فعل كاسح من جامعة الدول العربية، حتى مجلس الأمن، ومن المجموعة الإسلامية حتى الاتحاد الأفريقي.
كل ذلك الرفض لا يعني إسرائيل كثيرا، بل هو ما تريده، أن تنفرد بالإقليم المنفصل. حتى إن أميركا- التي تترك لإسرائيل تدبر هواجسها الإستراتيجية دون تضييق- انفردت بتجاهل المسألة أثناء نقاشها في مجلس الأمن قبل أسبوع.
وقال الكاتب الإسرائيلي تسفي برئيل في صحيفة "هآرتس" عبر مقال: "الاعتراف بأرض الصومال: إسرائيل تغامر بإثارة مشكلات إقليمية شائكة"،إنه في الصومال توجد أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج تركيا، وكذلك أكبر سفارة تركية في العالم، ومنذ سنة 2017 درّبت تركيا وأهّلت نحو 15 ألف جندي صومالي في قاعدة "تورك - سوم"، كذلك تلقّى ضباط صوماليون دورات متقدمة في تركيا، ودرس آلاف الطلاب الصوماليين في مدارس أنشأتها تركيا، وهناك شركات تركية تدير ميناء مقديشو والمطار الدولي، ومؤخراً أقامت تركيا على الأراضي الصومالية قاعدةً لاختبار الصواريخ الباليستية التي تنتجها من طراز "تايفون"، وهي تستعد كذلك لتشغيل قاعدةٍ لاختبار إطلاق صواريخ إلى الفضاء.
تقسيم اليمن والصومال والسودان..الصومال محمية تركية
بهذا تحولت الصومال إلى ما يشبه محمية تركية، وتستغل أنقرة استثماراتها ومساعداتها العسكرية أيضاً لأهداف سياسية، باعتبارها رأس جسر نحو دولٍ أفريقية أُخرى، وتنتهج تركيا سياسة صارمة تعتبر أرض الصومال جزءاً لا يتجزأ من الصومال، لكن أرض الصومال المستقلة، التي انفصلت عن الصومال في مطلع تسعينيات القرن الماضي ولم تعترف بها أي دولة حتى الآن، أصبحت نقطة جذبٍ إقليمية بسبب سيطرتها على شريط ساحلي طويل على المحيط الهندي وخليج عدن.
وفي ظل تشابُك العلاقات المعقدة بين إثيوبيا والصومال وتركيا، يبرز أيضاً دور دولة الإمارات، التي استثمرت نحو 440 مليون دولار في تطوير ميناء بربرة، عبر مجموعة DP العملاقة (التي تنافست أيضاً على شراء ميناء حيفا)، وأقامت قاعدة عسكرية في أرض الصومال، واستثمرت في قطاعات إنتاج وتجارة متنوعة في هذه الدولة غير المعترف بها.
وترى أبو ظبي، أن أرض الصومال محطة استراتيجية حيوية، وقد تعززت أهميتها بعد فشل الإمارات في الحصول على حقوق إدارة وتشغيل ميناء جيبوتي وهي ليست الدولة الوحيدة التي ترى ذلك، وتحيط أبو ظبي نفسها بحزام استراتيجي يشمل جزيرة سقطرى في المحيط الهندي وميناء عدن، الجزيرة التي تخضع لسيادة اليمن، وتسيطر عليها قوات "المجلس الانتقالي الجنوبي"، بقيادة عيدروس الزبيدي، وهو كيان شريك في مجلس القيادة الرئاسي الذي يدير المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وإقامة دولة اليمن الجنوبي المستقلة، يتعارض مع رغبة السعودية والولايات المتحدة ودول العالم، في معظمها، في الحفاظ على وحدة اليمن.
في السودان أيضا تدعم أبو ظبي قوات محمد حمدان دقلو ("قوات الدعم السريع") التي تقاتل الحكومة المعترف بها، بقيادة عبد الفتاح البرهان، خلافاً لمواقف مصر والسعودية.
وضمن النسيج الاستراتيجي الذي تبنيه الإمارات حول اليمن والقرن الأفريقي، تحتل إسرائيل دوراً غير هامشي، ووفق تقارير أجنبية، منحت أبو ظبي إسرائيل إذناً بإقامة قاعدة عسكرية في الجزيرة الرئيسية من أرخبيل سقطرى، وربما أكثر من ذلك، وقبل نحو عام، أفاد موقع "ميدل إيست مونيتور" بأن الإمارات أجرت مفاوضات مع أرض الصومال تهدف إلى السماح لإسرائيل بإقامة قاعدة عسكرية هناك أيضاً، في مقابل اعتراف إسرائيلي باستقلالها.
تقسيم اليمن والصومال والسودان.. قواعد عسكرية إماراتية
حتى الآن، لم تعترف الإمارات بأرض الصومال رسمياً، لكن هذا لم يمنعها من إقامة قواعد عسكرية، أو إدارة ميناء الدولة، والشراكة العسكرية الإسرائيلية ضمن الإطار الاستراتيجي الذي تبنيه الإمارات في اليمن والقرن الأفريقي قد تضع الدولتين على مسار تصادُم مع دول أُخرى في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا التي تتنافس على النفوذ في الدول الأفريقية المطلة على خليج عدن ومضيق باب المندب.
من غير الواضح ما إذا كان اعتراف إسرائيل بأرض الصومال شرطاً لوجود عسكري إسرائيلي هناك، لكن لا شك في أن توقيت الإعلان غير منفصل عن القمة الثلاثية التي عُقدت، هذا الشهر، وأرست "تحالفاً استراتيجياً" بين إسرائيل واليونان وقبرص، وعن الرغبة في إحراج تركيا.
أمّا إدانة السعودية، فتنطلق من موقفها التقليدي الداعم لوحدة الصومال، إلّا إن الرياض، على ما يبدو، ترى في الاعتراف الإسرائيلي مشروعاً إضافياً للإمارات التي تبني لنفسها أذرع نفوذ في أفريقيا، عبر كيانات انفصالية، مثل "قوات الدعم السريع" في السودان، و"المجلس الانتقالي" في اليمن، وأرض الصومال غير المعترَف بها.
في إسرائيل، سارع البعض إلى إضفاء أهمية مفرطة على الاعتراف بأرض الصومال، بصفته يحمل إمكان تحويلها إلى "قاعدة أمامية" في الحرب ضد الحوثيين، والإمارات، الراعية للعلاقات بين أرض الصومال وإسرائيل، تسعى أساساً لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وإحاطة نفسها بنقاط نفوذ في المحيط الهندي وخليج عدن، وهي ليست متعجلة لاستئناف الحرب ضد الحوثيين، فالإمارات نفسها انسحبت من حرب اليمن في سنة 2019، وهو ما أدى فعلياً إلى تفكُّك التحالف العربي - الأميركي، ثم حيّدت التهديد الحوثي، عبر تجديد علاقاتها مع إيران؛ وفي هذا الشأن، تتفق أبو ظبي مع السعودية ومصر على أن مهاجمة الحوثيين قد تجرّ ردوداً عنيفة ضد أهداف داخل حدودهما.
والنتيجة المحتملة هي أن إسرائيل ستكون حاضرة عسكرياً في القرن الأفريقي، لكنها ستجد نفسها مقيدة بسياسة الإمارات والتزاماتها الإقليمية حيال جيرانها، ومع ذلك، لا ينبغي لكل هذا منع الإسرائيليين من البدء بفحص رحلات وعطلات على سواحل أرض الصومال.
من منظور أرض الصومال، كانت الجائزة الكبرى وما زالت هي اعتراف الولايات المتحدة باستقلالها، ومن غير المستبعد أن يكون جزء من "الصفقة" مع إسرائيل قد تضمن وعداً بأن يعقبها اعتراف من ترامب، غير أن ترامب أبدى برودة حتى الآن حين تساءل: "هل يعرف أحد أصلاً ما هي أرض الصومال؟" وهذا التعليق فيه قدر من الإهانة، وهو غير دقيق؛ ففي أيار تحدث رئيس أرض الصومال عن زيارات وفود عسكرية أمريكية رفيعة المستوى إلى بلده، كذلك أوصى تقرير "مشروع 2025"، الصادر في أبريل 2023 عن معهد هيريتج، والمخصص لرسم سياسات إدارة ترامب، بالاعتراف بأرض الصومال، كخطوة لكبح تراجُع مكانة الولايات المتحدة في جيبوتي.







