في اللحظة التي التقطت فيها عدسات الكاميرا صور الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو وهو قيد الاحتجاز لدى القوات الأمريكية، لم يكن القلق يساور حلفاءه في أمريكا اللاتينية فحسب، بل كانت أصداء هذا الحدث تتردد بقوة في أروقة الحكم في بيونغ يانغ.
هذا "التحول الدراماتيكي" في كاراكاس لم يكن مجرد سقوط لنظام حليف، بل كان بمثابة "جرس إنذار" استراتيجي أعاد صياغة أولويات الأمن القومي في شبه الجزيرة الكورية.

تمسك نووي غير مسبوق
لم تنتظر كوريا الشمالية طويلاً لتعقب على أحداث فنزويلا؛ فبعد أقل من 48 ساعة على سقوط نظام مادورو، أطلقت بيونغ يانغ سلسلة من الصواريخ البالستية والفرط صوتية، في خطوة فسرها الخبراء بأنها "بيان سياسي بالنار".
أكد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء المركزية، أن تعزيز الردع النووي لم يعد مجرد خيار، بل هو "استراتيجية بقاء أساسية لا تقبل التفاوض"، واصفاً العملية الأمريكية في فنزويلا بأنها "انتهاك صارخ للسيادة"، مشدداً على أن مصير الأنظمة التي تخلت عن ترسانتها أو فشلت في امتلاك "درع نووي" هو السقوط والارتهان للإرادة الخارجية.
الربط الاستراتيجي

يخطئ من يظن أن الجغرافيا تفصل بين توازنات القوى في أمريكا اللاتينية وآسيا، فالسقوط السريع لنظام مادورو، الذي كان يُنظر إليه كحليف استراتيجي لروسيا والصين وإيران، كشف عن هشاشة ما يُعرف بـ "محور المقاومة العالمي" للهيمنة الأمريكية.
انحسار نفوذ الحلفاء “روسيا والصين”
سقوط مادورو شكل ضربة قوية لموسكو وبكين؛ حيث استثمرت الصين أكثر من 60 مليار دولار في فنزويلا، بينما كانت روسيا تعتمد عليها كقاعدة نفوذ متقدمة في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة.، بالنسبة لبيونغ يانغ، فإن عجز هذه القوى الكبرى عن حماية حليفها في كاراكاس يعزز القناعة الكورية بأن "التحالفات الورقية" لا تغني عن "القوة الذاتية".
العودة لمبدأ "تغيير الأنظمة"
أعادت العملية الأمريكية في فنزويلا إحياء مخاوف بيونغ يانغ من عودة سياسة "تغيير الأنظمة" بالقوة العسكرية ويرى مراقبون أن كيم جونغ أون يقرأ مشهد احتجاز مادورو كسيناريو محتمل قد يواجهه إذا ما ضعف قبضته العسكرية أو تراجع عن برنامجه النووي.
السلاح النووي

تاريخياً، تراقب كوريا الشمالية مصائر القادة الذين تفاوضوا على برامجهم التسليحية من صدام حسين في العراق إلى معمر القذافي في ليبيا، والآن نيكولاس مادورو في فنزويلا الذي رغم عدم امتلاكه لبرنامج نووي، إلا أنه سقط نتيجة ضغط عسكري وسياسي مباشر.
لماذا النووي؟
حيث تدرك بيونغ يانغ أن القوات الأمريكية لم تكن لتجرؤ على دخول كاراكاس لو كانت فنزويلا تمتلك رؤوساً نووية قادرة على تهديد المصالح الأمريكية فيُستخدم البرنامج النووي كأداة لتوحيد الجبهة الداخلية خلف القيادة في مواجهة "العدو المتربص" ويمنح السلاح النووي الأنظمة المعزولة مقعداً على طاولة المفاوضات الكبرى، بدلاً من أن تكون هي "موضوع" التفاوض.
عالم بلا قواعد؟
يمثل سقوط مادورو والرد الكوري العنيف عليه مرحلة جديدة من "السياسات الواقعية"، حيث أصبحت القوة العسكرية الصرفة هي المعيار الوحيد للسيادة في نظر الأنظمة المعزولة. إن رسالة بيونغ يانغ الواضحة هي: "لن نكون مادورو القادم".
بينما يعيد العالم تشكيل تحالفاته بعد زلزال فنزويلا، تظل شبه الجزيرة الكورية النقطة الأكثر اشتعالاً، حيث يلتقي الخوف من السقوط مع القدرة على التدمير الشامل، مما يجعل مستقبل الأمن في آسيا مرهوناً بمدى قدرة القوى الدولية على احتواء "عقدة الناجي" التي تسيطر على مخيلة القيادة في بيونغ يانغ.







