رشاد العليمي يشدد على حصر السلاح بيد الدولة.. هل تنهي الدولة اليمنية ازدواجية القوة؟
في وقت تتكثف فيه المساعي الإقليمية والدولية لإعادة تحريك المسار السياسي في اليمن، عاد ملف احتكار الدولة للسلاح إلى صدارة المشهد، بعد تأكيد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، باعتباره شرطًا أساسيًا لبناء دولة مستقرة وقادرة على فرض القانون واستعادة السيادة.
هذا التصريح، على بساطته الظاهرية، يعيد فتح واحدة من أعقد وأخطر أزمات الدولة اليمنية، أزمة تعدد مراكز القوة، وانتشار السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية، وتحول الجماعات المسلحة إلى سلطات أمر واقع تنازع الدولة وظائفها وشرعيتها.
اليمن.. دولة بلا احتكار للقوة
منذ عقود، لم تنجح الدولة اليمنية في ترسيخ مبدأ أساسي من مبادئ الدولة الحديثة احتكار العنف المشروع فقد ظل السلاح حاضرًا بقوة في البنية الاجتماعية والسياسية، سواء عبر القبائل، أو التشكيلات العسكرية الموازية، أو الجماعات المسلحة ذات الطابع الأيديولوجي أو المناطقي.
ومع اندلاع الحرب وتفكك مؤسسات الدولة، تحولت هذه الظاهرة من خلل مزمن إلى واقع شامل: مليشيات، تشكيلات عسكرية متعددة الولاءات، سلطات أمر واقع، وجغرافيا ممزقة بين قوى تتقاسم النفوذ والسلاح والموارد.
في هذا السياق، لا يبدو حديث العليمي عن حصر السلاح بيد الدولة مجرد شعار سياسي، بل إعلان مواجهة مع جوهر الأزمة اليمنية.
لماذا يعتبر احتكار السلاح شرط الدولة الأول؟
في علم السياسة، لا تقوم الدولة إلا إذا امتلكت وحدها حق استخدام القوة المنظمة وعندما تفقد هذا الاحتكار، تتحول إلى كيان ضعيف، أو مجرد مظلة شكلية فوق قوى حقيقية تتحكم بالميدان.
في الحالة اليمنية، يعني استمرار السلاح خارج الدولة استحالة فرض القانون و استحالة بناء جيش وطني موحد و استحالة إجراء انتخابات حقيقيو واستحالة توحيد القرار السياسي والاقتصادي واستحالة إنهاء الحرب بشكل مستدام بمعنى أدق لا دولة مع تعدد الجيوش.

جذور الأزمة
لم تبدأ أزمة السلاح مع الحرب الأخيرة، بل تعود جذورها إلى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، حين ظلت القبيلة شريكًا مسلحًا للدولة، وحين استُخدم السلاح كأداة توازن سياسي داخلي بدل أن يكون حكرًا على المؤسسات الرسمية.
ثم جاءت مرحلة ما بعد 2011 لتُدخل البلاد في تفكيك متسارع لمركزية القوة، وصولًا إلى الانقلاب الحوثي والحرب الشاملة، حيث أصبح السلاح هو اللغة السياسية الأول، فاليوم، لم تعد المشكلة في وجود سلاح خارج الدولة فقط، بل في وجود كيانات سياسية وعسكرية كاملة قائمة بذاتها.
تصريحات العليمي.. واقعية سياسية أم معركة مؤجلة؟
عندما يشدد رشاد العليمي على حصر السلاح بيد الدولة، فهو يضع يده على الشرط التأسيسي لأي حل سياسي حقيقي لكن السؤال المركزي هو هل تملك السلطة الحالية الأدوات والقدرة والشرعية الكافية لفرض هذا التحول الجذري؟
الواقع يقول إن الدولة اليمنية اليوم لا تسيطر على كامل الجغرافيا و لا تمتلك جيشًا موحد القيادة والعقيدة و تخضع لتوازنات إقليمية معقدة وتواجه قوى أمر واقع تملك السلاح والمال والنفوذ وهذا يجعل من شعار “حصر السلاح بيد الدولة” معركة طويلة ومعقدة، لا قرارًا إداريًا.
الحوثيون ومعضلة الدولة المستحيلة
في قلب هذه الأزمة تقف جماعة الحوثي، بوصفها النموذج الأوضح لـسلطة مسلحة موازية للدولة، تملك جيشًا وأمنًا واقتصادًا وأيديولوجيا، وتدير مناطق واسعة بمنطق الدولة البديلة لا الشريك السياسي وأي تسوية سياسية لا تتضمن تفكيك البنية العسكرية الحوثية ودمجها في مؤسسة وطنية واحدة، ستعني عمليًا شرعنة ازدواجية الدولة، وتحويل اليمن إلى نموذج دائم من “الدولة الضعيفة المتعددة الرؤوس”.
لكن أزمة احتكار القوة لا تقتصر على الحوثيين فقط فحتى في المناطق الخاضعة للشرعية، توجد تشكيلات مسلحة متعددة الولاءات، بعضها مناطقي، وبعضها مدعوم خارجيًا، وبعضها يعمل خارج هرم القيادة الرسمي.
وهذا الواقع يُضعف موقف الدولة سياسيًا وأخلاقيًا عندما تتحدث عن توحيد السلاح، لأنه يكشف أن المشكلة بنيوية وشاملة وليست محصورة في طرف واحد.
وتعيش اليمن منذ سنوات واحدة من أعقد أزماتها السياسية والأمنية، نتيجة الحرب وتفكك مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة المسلحة ومع تعثر المسار السياسي وغياب الدولة المركزية، تحوّل السلاح إلى أداة حكم فعلية بيد جماعات وكيانات متنازعة، ما عمّق الانقسام وكرّس واقع الدولة الهشّة.










