برد ينهش الأجساد.. كيف يواجه أطفال غزة شتاء 2026 في خيام مهترئة؟
مع دخول فصل الشتاء ذروته في مطلع عام 2026، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) صرخة استغاثة إنسانية، محذرة من أن الظروف الجوية القاسية باتت تشكل تهديداً مباشراً ومميتاً لحياة مئات الآلاف من الأطفال الفلسطينيين وعائلاتهم النازحة في قطاع غزة.
وأوضحت المنظمة في تصريح صحفي صدر اليوم، أن العائلات التي تقطن في ملاجئ مؤقتة وخيام مهترئة تواجه شتاءً هو الأصعب على الإطلاق، حيث تتلاقى درجات الحرارة المنخفضة مع انعدام مقومات التدفئة والغذاء.
برد ينهش الأجساد.. كيف يواجه أطفال غزة شتاء 2026 في خيام مهترئة؟
إن الأرواح التي نجت من آلة القتل العسكرية على مدار عامين من الإبادة الجماعية، باتت اليوم على المحك أمام "غول البرد" والأمراض المعدية، في ظل واقع مأساوي حول مراكز الإيواء إلى بؤر للمعاناة الإنسانية التي تجاوزت كل الحدود والخطوط الحمراء الدولية.
انهيار أنظمة الصرف الصحي: الأمطار الغزيرة تحول خيام النازحين إلى مصائد للمياه الملوثة
أشارت "اليونيسيف" في تقريرها الميداني إلى أن تدمير الاحتلال الإسرائيلي الممنهج لأنظمة المياه وشبكات الصرف الصحي والبنية التحتية الأساسية قد تسبب في كارثة بيئية مع أولى زخات المطر؛ حيث جرفت الأمطار الغزيرة مياهاً غير آمنة ومخلفات الصرف الصحي لتخترق المناطق المأهولة بالسكان ومخيمات النازحين.
هذا الانجراف المائي لم يؤدِ فقط إلى تلوث البيئة المحيطة، بل تسبب في انهيار مئات الخيام التي لم تعد قادرة على الصمود أمام الرياح والأمطار، مما أجبر آلاف الأطفال على النوم في العراء أو فوق أرض غارقة بالمياه الطينية.
إن اختلاط مياه الأمطار بالمخلفات في ظل غياب أي قنوات لتصريف المياه يجعل من كل خيمة بؤرة محتملة لانتشار الأوبئة، ويفاقم من الحالة النفسية والجسدية للأطفال الذين فقدوا منازلهم وأمانهم تحت وطأة القصف المستمر.
الحلقة المميتة
تحدثت المنظمة الأممية عن وجود "حلقة مميتة" تهدد الطفولة في غزة، ناتجة عن التفاعل بين الاكتظاظ السكاني الرهيب في مراكز الإيواء وبين سوء الحالة الصحية العامة. فمع انخفاض درجات الحرارة، تزداد احتياجات الجسم للطاقة للحفاظ على الدفء، وهو ما يفتقر إليه أطفال غزة الذين يعانون من مجاعة حادة ونقص شديد في السعرات الحرارية نتيجة الحصار المفروض.
وبدون توفر أغطية كافية أو ملابس شتوية تقي من الصقيع، أصبحت مخاطر انخفاض حرارة الجسم واقعاً يومياً يهدد حياة الرضع والأطفال ذوي المناعة الضعيفة.
وأضافت اليونيسيف أن العيش على أرض مبللة في خيام لا تمنع دخول البرد يجعل الأطفال عرضة للإصابة بالالتهابات الرئوية الحادة والأمراض المنقولة بالمياه، مما يضع الجهاز الصحي المنهك أصلاً أمام تحديات تفوق قدرته الاستيعابية.
استجابة اليونيسيف منذ أكتوبر 2025: آلاف الخيام والبطانيات لمواجهة الكارثة
على الرغم من العراقيل الكبيرة، أكدت اليونيسيف أنها تواصل جهودها الإغاثية منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025؛ حيث نجحت المنظمة في إدخال آلاف الخيام العائلية المصممة لمقاومة الظروف الجوية، بالإضافة إلى مئات الآلاف من البطانيات الحرارية ومجموعات الملابس الشتوية المخصصة للأطفال.
وتعد هذه التدخلات جزءاً من استراتيجية الاستجابة الشتوية الطارئة التي تهدف إلى توفير "دفء نسبي" للنازحين الذين فقدوا كل ممتلكاتهم. ومع ذلك، تشدد المنظمة على أن حجم الاحتياجات لا يزال يفوق بكثير حجم المساعدات الداخلة، نظراً للدمار الشامل الذي طال قطاع غزة ومحو مناطق كاملة من الخريطة، مما يتطلب فتح ممرات آمنة ومستدامة لضمان وصول هذه المستلزمات لكل طفل نازح قبل فوات الأوان.
إرث الإبادة الجماعية
يأتي شتاء 2026 ليصب مزيداً من الزيت على نار المعاناة التي بدأت منذ 7 أكتوبر 2023؛ فخلال أكثر من عامين، ارتكب الاحتلال بدعم دولي إبادة جماعية خلفت أرقاماً مرعبة لم يشهدها التاريخ الحديث.
وتجاوزت حصيلة الضحايا 242 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، غالبيتهم العظمى من الأطفال والنساء، بالإضافة إلى ما يزيد على 11 ألف مفقود تحت الأنقاض. هذه الإبادة لم تكتفِ بالقتل المباشر، بل اعتمدت سياسة التجويع والتعطيش الممنهج، مما أدى لوفاة العشرات نتيجة نقص الغذاء.
إن الدمار الشامل الذي حول مدن غزة ومخيماتها إلى تلال من الركام قد حرم النازحين من أي فرصة للعودة إلى حياة طبيعية، وجعل من "الخيمة" المآل الأخير والوحيد في مواجهة شتاء قارس لا يرحم الضعفاء.
نداء للمجتمع الدولي
جددت اليونيسيف والمنظمات الحقوقية دعوتها للمجتمع الدولي للتحرك العاجل والضغط على سلطات الاحتلال لوقف انتهاكاتها الصارخة لأوامر محكمة العدل الدولية و إن استمرار تجاهل النداءات الدولية لوقف سياسات التهجير والتجويع يضع الضمير العالمي في اختبار حقيقيو إن حماية أطفال غزة من الموت برداً ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو التزام قانوني وأخلاقي يقع على عاتق كافة الدول الموقعة على اتفاقيات حقوق الطفل.
كما أن العالم مطالب اليوم بالانتقال من مرحلة إحصاء الشهداء والجرحى إلى مرحلة العمل الفعلي لإنقاذ الجيل القادم في غزة من شبح الفناء، وضمان حقوقهم الأساسية في المأوى الآمن والدفء والغذاء، بعيداً عن صقيع الخيام وظلم الاحتلال.










