ترشيح المالكي و"الفيتو" الأمريكي.. هل يواجه العراق عقوبات اقتصادية تستهدف عائدات النفط؟
دخلت العملية السياسية في العراق مرحلة حاسمة وخطيرة بعد إعلان "الإطار التنسيقي"، الذي يمثل الكتلة النيابية الأكبر، ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء.
هذا القرار الذي صدر يوم السبت، يضع حداً لأسابيع طويلة من الجدل والشد والجذب داخل أروقة البيت السياسي الشيعي، ويمهد الطريق نحو مفاوضات معقدة تهدف إلى تشكيل حكومة جديدة في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة الحساسية.
وبينما يراهن الإطار التنسيقي على خبرة المالكي السياسية والإدارية وقدرته على "ضبط إيقاع الدولة"، تبرز تحديات جمّة تتعلق بمدى قدرة المرشح الجديد على نيل القبول الإقليمي والدولي، خاصة في ظل التحذيرات الأمريكية الصارمة من إشراك فصائل مسلحة مرتبطة بطهران في التشكيلة الحكومية المقبلة، مما يجعل العراق يقف على مفترق طرق بين الاستقرار الدستوري أو الدخول في نفق من العقوبات والعزلة الدولية.
كواليس الترشيح
جاء ترشيح نوري المالكي بعد اجتماع موسع عقده قادة الإطار التنسيقي في مكتب هادي العامري، حيث جرى تداول الأوضاع السياسية الراهنة وضرورة استكمال الاستحقاقات الدستورية المتأخرة. وأكد البيان الرسمي للإطار أن الاختيار جاء بناءً على نقاش معمق ومستفيض، خلص إلى تسمية المالكي مرشحاً للكتلة النيابية الأكثر عدداً، استناداً إلى تجربته السابقة في إدارة الدولة ودوره في المشهد السياسي العراقي منذ عام 2003.
وتشير التقارير إلى أن هذا التوافق لم يكن ممكناً لولا "المصالحة السياسية" التي جرت في المنطقة الخضراء بمكتب محسن المندلاوي بين المالكي ورئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني.
هذه المصالحة أدت إلى تنازل السوداني عن طموحه في الولاية الثانية رغم تصدر ائتلافه نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت في نوفمبر الماضي، مما فتح الباب أمام المالكي للعودة إلى صدارة المشهد التنفيذي كمرشح "إجماع" داخل قوى الإطار التنسيقي.
التحديات الدولية
على الرغم من حسم الملف داخلياً ضمن الإطار، إلا أن طريق المالكي نحو "السراي الحكومي" محفوف بالمخاطر الدولية، وتحديداً من جانب واشنطن.
وتواجه التشكيلة المرتقبة معارضة أمريكية شرسة لضم وزراء ينتمون أو يرتبطون بمليشيات وفصائل موالية لإيران، وهو الملف الذي بات يشكل حجر الزاوية في السياسة الخارجية لإدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه العراق.
ووفقاً لتقارير دولية، فقد وجهت الولايات المتحدة تهديدات واضحة وصريحة لسياسيين عراقيين كبار بفرض عقوبات اقتصادية قاسية قد تطال عائدات النفط العراقية المودعة في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك، في حال تم إسناد حقائب وزارية لشخصيات تابعة للجماعات المسلحة.
هذا الضغط الأمريكي يضع المالكي في موقف حرج؛ فإما الرضوخ للمطالب الدولية والمخاطرة بخسارة دعم بعض القوى المتشددة داخل الإطار، أو المضي في حكومة "توافق فصائلية" والمخاطرة بانهيار اقتصادي شامل نتيجة العقوبات الأمريكية.
المسار الدستوري
بالتزامن مع ترشيح المالكي، دعا الإطار التنسيقي مجلس النواب العراقي إلى عقد جلسة مخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية وفقاً للتوقيتات الدستورية، إذ تمثل هذه الخطوة البوابة القانونية الوحيدة التي تسبق تكليف رئيس الوزراء رسمياً.
ويشدد الإطار في خطابه الرسمي على التزامه الكامل بالمسارات القانونية وحرصه على العمل مع القوى الوطنية (السنية والكردية) لتشكيل حكومة "قوية وفاعلة".
ومع ذلك، تظل عقدة انتخاب رئيس الجمهورية مرهونة بتوافق الحزبين الكرديين الرئيسيين، مما قد يؤخر عملية التكليف الرسمي للمالكي.
ويسعى الإطار من خلال استعجال هذه الجلسة إلى فرض واقع سياسي جديد يقطع الطريق أمام أي محاولات لتعطيل تشكيل الحكومة أو العودة إلى سيناريوهات "الانسداد السياسي" التي شهدتها البلاد في دورات سابقة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب قيادة تمتلك الخبرة اللازمة لمواجهة التحديات الأمنية والخدمية الملحة.
توازنات القوى
يمثل ترشيح نوري المالكي اختباراً حقيقياً لقدرة العراق على الموازنة بين حليفيه الأقوى: واشنطن وطهران فالإدارة الأمريكية الحالية بقيادة ترامب تتبع نهجاً يهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني في العراق إلى أدنى مستوياته، بينما يرى الإطار التنسيقي في المالكي الشخصية الأنسب لضمان استقرار الحكم الشيعي والحفاظ على التحالفات الإقليمية.
إن التحدي الأكبر الذي سيواجه المالكي في حال توليه المنصب هو كيفية صياغة برنامج حكومي يقنع المجتمع الدولي بقدرة الدولة على حصر السلاح، وفي الوقت نفسه عدم الصدام المباشر مع القوى المسلحة التي هي جزء من تحالفه السياسي وإن قدرة المالكي على المناورة في هذه المساحة الضيقة ستحدد مدى عمر حكومته المرتقبة، وما إذا كانت ستنجح في تقديم الخدمات المطلوبة للمواطن العراقي المنهك، أم أنها ستغرق في صراعات أيديولوجية وسياسية تؤدي إلى عزلة دولية خانقة.
ويمكن القول إن ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء يفتح صفحة جديدة ومقلقة في تاريخ العراق السياسي الحديث. فبينما يرى مؤيدوه في الإطار التنسيقي أنه "المنقذ" القادر على إعادة هيبة الدولة بفضل خبرته الطويلة، يرى خصومه والمراقبون الدوليون أن عودته قد تؤدي إلى تأجيج الصراعات القديمة واستفزاز القوى المعارضة والجانب الأمريكي.
إن العراق اليوم أمام معادلة صفرية؛ فإما تشكيل حكومة تحظى بحد أدنى من القبول الدولي لضمان تدفق عائدات النفط واستمرار الاستقرار المالي، أو الإصرار على حكومة تمثل لوناً واحداً وتضم أجنحة مسلحة مما قد يعرض البلاد لسيناريو "الدولة المنبوذة" والأيام المقبلة وجلسة البرلمان المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية ستكون المختبر الحقيقي لمدى تماسك هذا الترشيح وقدرته على الصمود أمام العواصف السياسية التي بدأت تهب من واشنطن ومن داخل الساحة العراقية المنقسمة.







