كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، الخميس 29 يناير 2026، عن توصية صادرة عن قيادة الجيش الإسرائيلي بوقف إدخال شاحنات المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بزعم أن الوضع القائم “يخدم حركة حماس”.
وتأتي هذه التوصية في سياق تصعيدي واضح داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث يدفع ضباط ومسؤولون كبار باتجاه إعادة إشعال الحرب، معتبرين أن أي تهدئة أو استقرار نسبي في القطاع يمنح المقاومة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.
وتعكس هذه المقاربة توجّهًا إسرائيليًا يقوم على استخدام الغذاء والدواء والاحتياجات الإنسانية كأداة ضغط سياسية وعسكرية، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني، وتكريس لمنطق العقاب الجماعي بحق أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع المحاصر.
ذريعة المساعدات الإنسانية
بحسب التقرير، قال مسؤولون في الجيش الإسرائيلي إن إدخال نحو 4,200 شاحنة من المساعدات أسبوعيًا إلى غزة “يجب أن يتوقف فورًا”، بزعم أنها جزء من “التنازلات” المرتبطة بالمرحلة الأولى من الاتفاق.
وحذّر هؤلاء من أن استمرار هذا الواقع سيقود، وفق زعمهم، إلى “استئناف القتال”، في إشارة واضحة إلى أن الاحتلال يعتبر المساعدات الإنسانية تهديدًا أمنيًا وليس التزامًا قانونيًا أو أخلاقيًا.
ويكشف هذا الطرح أن إسرائيل لا تنظر إلى الاحتياجات الإنسانية باعتبارها حقًا أساسيًا للسكان المدنيين، بل كأداة مساومة، تُمنح أو تُسحب وفق حسابات ميدانية وسياسية تخدم أهدافها العسكرية.
الجمود يخدم المقاومة
لا تقتصر التحذيرات الإسرائيلية على ملف المساعدات، بل تمتد إلى ما وصفه قادة عسكريون بـ“غياب مبادرة إسرائيلية للمرحلة التالية”، في ظل تقديرات بأن حركة حماس تواصل التعافي وترفض التخلي عن سلاحها.
وبحسب التقرير، ترى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن حالة “الجمود” في غزة تصب في مصلحة المقاومة، معتبرة أن إسرائيل باتت “منقادة وليست مبادِرة”، في ظل الدور القطري–الأمريكي المرتبط بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويعكس هذا التوصيف حالة الإرباك داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، التي فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة منذ أكتوبر 2023، رغم المجازر الواسعة والتدمير المنهجي للبنية التحتية في القطاع.
فزاعة حزب الله
حذّر ضباط إسرائيليون كبار، وفق التقرير، من “استنساخ نموذج حزب الله في غزة”، أي بقاء تنظيم مسلح مهيمن قرب التجمعات الإسرائيلية دون تفكيك قدراته.
ويستخدم هذا الطرح كذريعة لتبرير استمرار العدوان أو العودة إليه، رغم أن الواقع الميداني يثبت أن الاحتلال فشل في القضاء على بنية المقاومة أو كسر إرادتها السياسية والعسكرية.
وتكشف هذه المقارنات أن إسرائيل باتت تتعامل مع غزة كتهديد استراتيجي طويل الأمد، لا كملف أمني عابر، ما يفسر سعيها الدائم لإبقاء القطاع في حالة إنهاك دائم.
أرقام القتل والتضليل
قال مسؤولون عسكريون إسرائيليون، بحسب الصحيفة، إن عام 2025 شهد ولادة نحو 60 ألف طفل في غزة، أي أكثر بعشرة آلاف من المعدل السنوي، في محاولة لربط النمو السكاني بما يسمونه “الخطر المستقبلي”.
وأضافوا أن نحو 70 ألف فلسطيني قُتلوا خلال الحرب، دون احتساب المفقودين، مشيرين إلى أن الجيش يعمل على “تصنيف القتلى” بين مسلحين وغير مشاركين، في محاولة متأخرة لتبرير المجازر الواسعة بحق المدنيين.
وتعكس هذه التصريحات إصرار الاحتلال على تسويق روايته الدعائية، رغم التقارير الدولية التي تؤكد الطابع الإبادي للعدوان، واستهدافه المنهجي للمدنيين والبنية المجتمعية في غزة.
إعادة البناء تحت النار
أشار التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي ينتشر حاليًا في أكثر من 40 موقعًا عسكريًا داخل ما يسمى “المنطقة العازلة”، في وقت تواصل فيه المقاومة إعادة بناء قدراتها.
وبحسب المزاعم الإسرائيلية، تشمل هذه الجهود تصنيع قذائف وعبوات، وإعادة تأهيل الأنفاق، وتعيين قادة ميدانيين جدد، في تأكيد جديد على فشل استراتيجية “الحسم العسكري”.
وفي المقابل، لفت التقرير إلى عودة مظاهر الحياة في القطاع، من فتح البنوك والمطاعم، إلى ازدحام الأسواق واستئناف الزراعة والتعليم، وهو ما تعتبره إسرائيل دليلًا إضافيًا على “تعافي حماس”، لا على صمود المجتمع الفلسطيني.
معبر رفح تحت التهديد
تناول التقرير التحذيرات الإسرائيلية المتعلقة بفتح معبر رفح في إطار المرحلة الثانية من الاتفاق، بزعم تخفيف الأوضاع الإنسانية.
وبحسب المزاعم، من المفترض أن تُدار الحركة عبر المعبر من قبل جهات تابعة للسلطة الفلسطينية، بإشراف دولي ورقابة إسرائيلية عن بُعد، مع الإقرار بعدم القدرة على منع خروج عناصر من المقاومة.
ووصف مسؤولون عسكريون إسرائيليون تحويل رفح إلى معبر بضائع بأنه “كارثة”، في محاولة لتبرير الإبقاء على السيطرة الخانقة على شريان غزة الوحيد غير الخاضع مباشرة للاحتلال.
سيناريوهات العام المقبل
عرض التقرير ثلاثة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة: استمرار سيطرة حماس على القطاع؛ انتقالها إلى نموذج شبيه بحزب الله؛ أو رفضها نزع سلاحها والعودة إلى القتال.
كما عبّر عن قلق إسرائيلي من الاضطرار للقبول بقطر وتركيا كممولتين رئيسيتين لإعادة الإعمار، مع التحذير من “وجود عسكري تركي” قرب الحدود.
وفي السياق ذاته، حذّرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من تصاعد التوتر في الضفة الغربية، معتبرة أن أخطر ما يمكن أن تواجهه إسرائيل هو استمرار حالة الجمود دون مبادرة، في اعتراف ضمني بأن سياساتها الحالية لا تنتج سوى مزيد من الانفجار.







