سمحت محكمة الاستئناف التابعة لـ جيش إسرائيل، اليوم السبت، بالكشف عن الهوية المختبئة خلف القضبان، وهو النقيب تومر أيغاس، ضابط النخبة في الوحدة الاستخباراتية الشهيرة "8200". وتأتي هذه الخطوة لتفتح جرحاً غائراً في جسد المنظومة الأمنية للاحتلال، حيث توفي أيغاس في ظروف لم تبارحها الشكوك داخل سجن عسكري شديد الحراسة منذ عام 2021، وسط اتهامات متصاعدة للجيش بمحاولة طمس معالم جريمة قد تكون تصفية لـ "عقل تقني" متمرد أو كبش فداء لصراعات الأجنحة داخل الاستخبارات.
ويُعد أيغاس، البالغ من العمر 24 عاماً عند وفاته، واحداً من ألمع "عباقرة الظل" في حيفا؛ إذ حصل على البكالوريوس في علوم الحاسوب قبل إنهاء تعليمه الثانوي، وكان يتقن خمس لغات ببراعة مذهلة، مما أهله لقيادة فرق تقنية حساسة داخل الوحدة 8200، الذراع التكنولوجي الأهم الذي يغذي الاحتلال بالمعلومات ويشن الهجمات السيبرانية. غير أن هذا المسار اللامع انتهى خلف جدران زنزانة انفرادية، في قضية أحيطت بتعتيم إعلامي مطبق لسنوات، بزعم ارتكابه "جرائم أمنية خطيرة"، في سيناريو يشبه قصص الجاسوسية التي يفضل الاحتلال إبقاءها في الظلام.
العزل التام.. سياسة القتل البطيء
تكشف تفاصيل الاحتجاز أن جيش إسرائيل أخضع أيغاس لعزل شبه تام وبمستوى أمني هو الأعلى في تاريخ السجون العسكرية، بحجة منعه من تسريب أسرار أو التستر على أفعاله التي زعم الجيش أنها تمت لـ "أسباب شخصية" وليست أيديولوجية. هذا التناقض الصارخ في الرواية الرسمية يثير تساؤلات حادة؛ فكيف لضابط ارتكب "جرائم شخصية" أن يُعزل بهذه القسوة التي لا تُطبق إلا على أخطر الجواسيس؟ وتؤكد عائلة الضابط أن ابنها تعرض لعملية "قتل معنوي" أدت لوفاته، محملة قيادة الجيش المسؤولية الكاملة عن الإهمال الطبي الجسيم والظروف النفسية القاهرة التي وُضع فيها عمداً.
ويشير والده بمرارة إلى أن ابنه لم يمت ميتة طبيعية، بل قُتل في منشأة يفترض أنها "آمنة"، مما يعزز الرواية النقدية تجاه جيش الاحتلال الذي اعتاد ممارسة أبشع أنواع الانتهاكات حتى بحق جنوده عندما يتعلق الأمر بـ "الثقوب السوداء" في أمن المعلومات.
ورغم تشكيل لجان تحقيق صورية لمراجعة آليات الاختيار والاعتقال، إلا أن مكتب المدعي العسكري لم يصدر حتى الآن رأياً نهائياً، وهو ما يفسره مراقبون بأنه محاولة لشراء الوقت حتى تُنسى القضية، خاصة في ظل انشغال الاحتلال بحروبه ومجازره المستمرة في غزة والمنطقة منذ أكتوبر 2023.
التستر المؤسسي وضغوط واشنطن
تأتي إعادة فتح ملف أيغاس في توقيت حساس يواجه فيه جيش الاحتلال ضغوطاً من إدارة الرئيس الحالي لأمريكا، دونالد ترامب، لترتيب البيت الداخلي وتوسيع التنسيق الأمني. ويرى محللون أن صمت واشنطن المعتاد عن انتهاكات الاحتلال داخل سجونه العسكرية يمثل ضوءاً أخضر للاستمرار في نهج "الإخفاء القسري" للمواهب التي قد تشكل خطراً على الرواية الرسمية. إن قضية أيغاس ليست مجرد وفاة غامضة، بل هي كاشفة لزيف ادعاءات "الديمقراطية" والشفافية داخل جيش الاحتلال، الذي يفضل التخلص من كوادره بدلاً من مواجهة الحقيقة في المحاكم العلنية.



