4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

إسرائيل بين الاستنفار والارتباك: حسابات الداخل تحت ظل المواجهة الإقليمية

في ظل تسارع التطورات الإقليمية وتزايد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين أمريكا وإيران، تجد إسرائيل نفسها أمام مشهد مركّب تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع الأزمات السياسية الداخلية.

بقلم: سماح عثمان
٨ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
14 مشاهدة
إسرائيل بين الاستنفار والارتباك: حسابات الداخل تحت ظل المواجهة الإقليمية

إسرائيل بين الاستنفار والارتباك: حسابات الداخل تحت ظل المواجهة الإقليمية

في ظل تسارع التطورات الإقليمية وتزايد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين أمريكا وإيران، تجد إسرائيل نفسها أمام مشهد مركّب تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع الأزمات السياسية الداخلية. هذا الوضع لا ينفصل عن استمرار الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023، ولا عن الدور الأمريكي المباشر في إدارة مسارات التصعيد والتهدئة على حد سواء، ما يجعل حالة التأهب الإسرائيلية انعكاسًا لحالة قلق بنيوي أكثر منها استعدادًا محسوبًا.

التحركات السياسية والأمنية داخل إسرائيل خلال هذه المرحلة تكشف عن هشاشة التوازنات الداخلية، وعن اعتماد متزايد على المظلة الأمريكية، في وقت تتآكل فيه الرواية الإسرائيلية أمام وقائع المجازر المستمرة بحق الفلسطينيين، وخصوصًا في قطاع غزة.

حالة التأهب الأمني

تشهد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حالة استنفار مفتوحة تحسبًا لتداعيات أي مواجهة محتملة بين أمريكا وإيران، سواء كانت مباشرة أو عبر ساحات إقليمية وسيطة. هذا الاستنفار لا يقتصر على الجبهة الشمالية أو على تعزيز الدفاعات الجوية، بل يمتد إلى رفع الجاهزية في الداخل، خشية ردود فعل متعددة المسارات قد تشمل هجمات صاروخية أو عمليات نوعية.

هذا القلق الأمني يعكس إدراكًا إسرائيليًا متزايدًا بأن أي تصعيد أمريكي–إيراني لن يكون معزولًا عن إسرائيل، خاصة في ظل انخراطها العميق في الحرب على غزة، ودورها الوظيفي في الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة. ووفقًا لتقديرات تداولتها وسائل إعلام عبرية، فإن المؤسسة العسكرية تخشى من فقدان القدرة على التحكم بإيقاع التصعيد، في حال فُتحت أكثر من جبهة في آن واحد.

اجتماعات نتنياهو المكثفة

في هذا السياق، كثّف بنيامين نتنياهو اجتماعاته مع المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت)، إلى جانب لقاءات متواصلة مع قادة أحزاب الائتلاف الحاكم، لبحث تطورات الملف الإيراني وانعكاساته المحتملة. هذه الاجتماعات لا تنفصل عن محاولة نتنياهو إعادة تثبيت موقعه السياسي، في ظل ضغوط داخلية غير مسبوقة.

اللافت أن النقاشات داخل الكابينت، بحسب ما نقلته صحف إسرائيلية، تشهد تباينات حادة بين المقاربة الأمنية التي تدفع نحو التنسيق الكامل مع أمريكا، خصوصًا في ظل رئاسة دونالد ترامب الحالية، وبين أصوات تحذّر من الانجرار وراء حسابات أمريكية قد تضع إسرائيل في قلب مواجهة أوسع من قدرتها على الاحتمال. هذه الانقسامات تعكس عمق الأزمة داخل بنية الحكم، لا سيما مع تراجع ثقة الشارع الإسرائيلي بقيادته السياسية.

الحرب على غزة والسياسة

استمرار الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 بات عاملًا ضاغطًا على التوازنات السياسية داخل إسرائيل، حيث تحوّلت المجازر اليومية بحق المدنيين الفلسطينيين إلى عبء سياسي وأخلاقي، رغم محاولات المؤسسة الرسمية الترويج لرواية أمنية تبريرية ثبت زيفها أمام التغطيات الدولية وتقارير حقوق الإنسان.

داخليًا، أسهمت الحرب في تعميق الانقسامات بين مكونات الائتلاف الحاكم، وبين الحكومة والمعارضة، خصوصًا مع فشل تحقيق الأهداف المعلنة، واستمرار حالة الاستنزاف العسكري والاقتصادي. كما أن الارتباط الوثيق بين الحرب والدعم الأمريكي غير المشروط، سياسيًا وعسكريًا، جعل إسرائيل أكثر ارتهانًا للقرار الأمريكي، في وقت تتراجع فيه قدرتها على المناورة المستقلة.

الدور الأمريكي المباشر

لا يمكن فصل المشهد الإسرائيلي الراهن عن الدور الأمريكي المباشر في إدارة الحرب على غزة وفي توجيه مسارات التصعيد الإقليمي. فمنذ تولي دونالد ترامب الرئاسة مجددًا في 2024، عززت أمريكا دعمها السياسي والعسكري لإسرائيل، ووفرت لها غطاءً كاملًا في المحافل الدولية، رغم اتساع دائرة الانتقادات العالمية.

هذا الدعم، رغم ما يوفره من قوة آنية، يحمل في طياته مخاطر استراتيجية لإسرائيل، إذ يربط أمنها القومي بقرارات إدارة أمريكية تتعامل مع المنطقة بمنطق الصفقات والضغط، لا بمنطق الاستقرار طويل الأمد. وبحسب تقارير أمريكية، فإن واشنطن تنظر إلى إسرائيل كأداة متقدمة في صراعها مع إيران، ما يضع الأخيرة في موقع المتلقي لتداعيات قرارات لا تصنعها بالكامل.

مأزق الرواية الإسرائيلية

في المحصلة، تكشف حالة الاستنفار الأمني والاجتماعات السياسية المكثفة عن مأزق عميق تعيشه إسرائيل، مأزق يتجاوز الخوف من مواجهة إقليمية ليطال شرعية السياسات المتبعة منذ أكتوبر 2023. فالرواية الإسرائيلية التي سعت لتسويق الحرب على غزة كـ"دفاع عن النفس" تآكلت أمام حجم المجازر والدمار، وأمام انكشاف حجم الدعم الأمريكي المباشر لهذه الحرب.

هذا الواقع يضع إسرائيل أمام تحديات مركبة: أمنية، سياسية، وأخلاقية، في وقت تتغير فيه موازين الوعي العالمي، وتتراجع قدرة القوة العسكرية على فرض رواية واحدة. وبين الاستنفار والخلافات الداخلية، يبدو أن إسرائيل تدخل مرحلة من عدم اليقين، عنوانها الأبرز الارتهان للخارج والعجز عن حسم الداخل.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

إسرائيل بين الاستنفار والارتباك: حسابات الداخل تحت ظل المواجهة الإقليمية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°