21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

انعدام الأمن الغذائي في اليمن.. كيف تحول الغذاء إلى سلاح في النزاع المستمر؟

ويوضح التقرير أن أكثر من 19 مليون يمني باتوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع وجود مئات الآلاف في مرحلة "الكارثة"

بقلم: محمد خميس
٩ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
17 مشاهدة
انعدام الأمن الغذائي في اليمن

انعدام الأمن الغذائي في اليمن

أصدرت الأمم المتحدة مطلع شهر فبراير 2026 تقريراً حقوقياً وإنسانياً صادماً يحذر من تفاقم حاد في معدلات انعدام الأمن الغذائي داخل الأراضي اليمنية، حيث تشير البيانات إلى أن رقعة الجوع اتسعت لتشمل مناطق كانت تصنف سابقاً بأنها "مستقرة نسبياً".

 ويوضح التقرير أن أكثر من 19 مليون يمني باتوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع وجود مئات الآلاف في مرحلة "الكارثة" أو ما يعرف بالمجاعة الفعلية في بعض المديريات النائية.

 

 وتأتي هذه التطورات نتيجة تضافر عدة عوامل، على رأسها استمرار القيود المفروضة على سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف الشحن الدولي، بالإضافة إلى تآكل القوة الشرائية للمواطن اليمني الذي بات يعجز عن مواكبة القفزات السعرية الجنونية للسلع الأساسية مثل القمح والزيوت، مما جعل تأمين لقمة العيش معركة يومية خاسرة لمعظم الأسر اليمنية.

 

القراءة الإنسانية والاقتصادية للأزمة

من الناحية الاقتصادية، يرى المراقبون أن اليمن يعيش حالة من "الاقتصاد المشلول" نتيجة انقسام المؤسسات المالية وتدهور قيمة الريال اليمني أمام العملات الأجنبية، مما خلق فوارق سعرية كبيرة بين المناطق المختلفة وأدى إلى تضخم مفرط استنزف مدخرات الطبقة الوسطى ودفع بها إلى خط الفقر.

ومن زاوية إنسانية، لم يعد الأمر يقتصر على نقص الغذاء فحسب، بل امتد ليشمل سوء التغذية الحاد لدى الأطفال والأمهات المرضعات، حيث تسجل المستشفيات الميدانية في محافظات الحديدة وحجة والضالع أرقاماً قياسية في حالات الهزال والتقزم، إن هذا الانهيار الاقتصادي المتسارع حول المساعدات الإنسانية من كونها "عاملاً مساعداً" إلى "شريان حياة وحيد"، وهو شريان بات مهدداً بالانقطاع نتيجة تراجع التعهدات الدولية وانشغال العالم بأزمات جيوسياسية أخرى، مما يضع اليمن أمام سيناريو الانفجار الاجتماعي الشامل.

الجمود السياسي كوقود للمجاعة

تؤكد القراءات التحليلية لعام 2026 أن الأزمة الإنسانية في اليمن ليست نتاج صدفة أو كوارث طبيعية فحسب، بل هي نتيجة مباشرة للانسداد في المسار السياسي، حيث فشلت جولات الحوار المتعاقبة في التوصل إلى اتفاق مستدام لتحييد الاقتصاد عن الصراع.

 ويؤدي غياب الحل السياسي الشامل إلى استمرار حالة "لا حرب ولا سلم"، وهي الحالة التي تمنع تدفق الاستثمارات وتعطل إعادة إعمار البنية التحتية المتهالكة للموانئ والطرق الحيوية، ويربط الخبراء بين تعثر صرف رواتب الموظفين الحكوميين وبين تفاقم أزمة الجوع، إذ إن انقطاع الدخل عن مئات الآلاف من الأسر أدى إلى توقف الحركة التجارية المحلية وكساد الأسواق، مما يعزز الفكرة القائلة بأن "الجوع في اليمن هو قرار سياسي بامتياز"، وأن أي انفراجة إنسانية حقيقية لن تتم إلا عبر اتفاق سياسي يضمن توحيد البنك المركزي وتدفق الصادرات النفطية والغازية.

فجوة التمويل والتهديدات القادمة

تواجه وكالات الإغاثة في عام 2026 فجوة تمويلية هائلة، حيث لم يتم تأمين سوى جزء يسير من المبالغ المطلوبة لتمويل خطة الإغاثة السنوية، هذا النقص دفع ببرنامج الأغذية العالمي إلى تقليص حصص المساعدات مرة أخرى، مما يعني حرمان ملايين المستفيدين من نصف حصصهم الغذائية الشهرية.

وبحسب تقارير فنية، فإن هذا التقلص سيؤدي حتماً إلى ارتفاع معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض المعدية التي تفتك بالأجساد الواهنة.

 كما أن غياب الحلول المستدامة لمشكلة المياه والزراعة، في ظل التغيرات المناخية التي تضرب اليمن بجفاف قارس تارة وفيضانات مدمرة تارة أخرى، يجعل الاعتماد على الغذاء المستورد “الذي يغطي 90% من احتياجات اليمن” مغامرة محفوفة بالمخاطر في ظل اضطراب الملاحة الدولية.

التوصيات والمسارات المقترحة

يرى  المراقبون أن الخروج من نفق الكارثة يتطلب مساراً مزدوجاً: الأول يبدأ بضغط دولي حقيقي لتحييد الملف الاقتصادي وصرف الرواتب بشكل منتظم لإنعاش القدرة الشرائية، والثاني يتمثل في الانتقال من "الإغاثة الطارئة" إلى "دعم سبل العيش" عبر ترميم قنوات الري ودعم المزارعين والصيادين المحليين.

 إن اليمن في عام 2026 يقف على مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تتحرك الإرادة الدولية لفرض تسوية تضع حداً لآلام المدنيين، أو أن يترك الشعب اليمني لمواجهة مصير كارثي سيمتد أثره لجيل كامل، وفي الختام، يبقى الجوع في اليمن شاهداً على عجز النظام الدولي عن حماية الإنسان في واحدة من أعقد الأزمات التي شهدها القرن الحادي والعشرون.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال