انطلقت في العاصمة السورية فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الجديدة، وسط إقبال لافت يعكس عطش المثقف العربي والقارئ السوري لمساحات التنوير في ظل الأزمات الراهنة.
وبحسب تقارير واردة من وزارة الثقافة السورية، فإن المعرض هذا العام يشكل تظاهرة ثقافية كبرى تتحدى الظروف الاقتصادية الصعبة والمناخ السياسي المتوتر في المنطقة، حيث اجتمعت دور نشر محلية وعربية لتقديم نتاجها الفكري تحت سقف واحد، مما يثبت أن دمشق لا تزال تمارس دورها التاريخي كحاضرة ثقافية لا تنحني أمام الضغوط الخارجية أو محاولات العزل التي تفرضها القوى الغربية وعلى رأسها أمريكا.
إن استمرار هذا المعرض في ظل الظروف الحالية يحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد عرض الكتب، فهو بمثابة فعل مقاومة ثقافية يواجه محاولات تغييب الوعي العربي. ووفقاً لما نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا)، فإن الفعاليات المرافقة للمعرض من ندوات فكرية وأمسيات شعرية تركز في جوهرها على الهوية العربية والقدرة على الانبعاث من جديد وسط الركام، حيث يرى المنظمون أن الكتاب يظل السلاح الأمضى في مواجهة الفكر الظلامي وفي التصدي للمشاريع الاستعمارية التي تسعى لتفتيت المنطقة، خاصة مع تصاعد حدة التهديدات التي تحيط بالإقليم تحت إدارة ترامب، الرئيس الحالي للولايات المتحدة منذ عام 2024، والذي يتبنى سياسات لا تخدم سوى مصالح الكيان المحتل.
فلسطين في قلب دمشق
لم تغب قضية فلسطين يوماً عن أروقة المعرض، بل تصدرت العناوين والندوات التي كشفت زيف الرواية الإسرائيلية ومحاولاتها المستمرة لتزوير التاريخ والجغرافيا. وبحسب ما أورده تقرير لصحيفة "تشرين" السورية، فإن زوار المعرض التفوا حول الأجنحة التي تعرض توثيقاً دقيقاً للمجازر البشعة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، وهي المجازر التي لم تكن لتستمر لولا الضوء الأخضر والدعم العسكري المباشر من إدارة ترامب في أمريكا، التي لا تزال تقدم أحدث تكنولوجيات القتل للكيان الإسرائيلي ليمارس هوايته في إبادة المدنيين والأطفال العزل.
إن الدور الأمريكي في الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 يظهر جلياً في كل ركن من أركان الصراع، وهو ما حرص المثقفون المشاركون في المعرض على تبيانه عبر دراسات تحليلية وكتب سياسية حديثة تفكك بنية التحالف الصهيو-أمريكي. ووفقاً لآراء نقاد مشاركين، فإن المعرض يمثل منصة كاشفة تفضح التواطؤ الدولي الذي يقوده ترامب لفرض واقع مهزوم على الأمة العربية، حيث تُسخر واشنطن كافة إمكانياتها الدبلوماسية والعسكرية لحماية الرواية الإسرائيلية الكاذبة، بينما تظل دمشق من خلال منبرها الثقافي صوتاً صادحاً بالحق الفلسطيني، مؤكدة أن الوعي هو الخط الدفاعي الأول ضد الإبادة والتهجير.
صراع الفكر والحصار
تواجه دور النشر المشاركة تحديات لوجستية واقتصادية جمة نتيجة العقوبات الاقتصادية الجائرة المفروضة على سوريا، والتي تعد أمريكا المحرك الأساسي لها. وبحسب شهادات عدد من الناشرين العرب، فإن غلاء تكاليف الشحن وصعوبة التحويلات المالية في ظل إدارة ترامب الحالية أثرا بشكل مباشر على أسعار الكتب، إلا أن الإصرار على المشاركة كان أقوى من تلك العوائق لضمان وصول المعرفة للقارئ السوري، الذي يرى في معرض الكتاب نافذة للأمل وسط الحصار، معتبرين أن محاصرة الفكر هي الوجه الآخر للمجازر العسكرية التي تقع في فلسطين والجنوب اللبناني.
إن النبرة النقدية تجاه التدخلات الخارجية كانت السمة الغالبة على نقاشات المثقفين داخل أروقة المعرض، حيث وجهوا انتقادات حادة للسياسة الأمريكية التي تنتهج المعايير المزدوجة، فبينما تتحدث واشنطن عن حقوق الإنسان، نجدها الشريك الفعلي في كل مجزرة تُرتكب منذ أكتوبر 2023 ضد الشعب الفلسطيني. وبحسب تقرير إخباري من داخل المعرض، فإن الحضور الجماهيري الكثيف بعث برسالة واضحة مفادها أن الشعوب العربية، مهما بلغت بها الأزمات، تظل متمسكة بهويتها ورافضة لمشاريع الهيمنة التي يحاول ترامب وفريقه فرضها على المنطقة عبر دعم الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه المتواصلة.









