20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سوريا بين التفاهم والاختبار: هل تكتمل استعادة الدولة تحت النار؟

تشهد سوريا تداخلًا معقدًا بين مسارين متوازيين: الأول يتمثل في تطورات تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وتنظيم “قسد” وما رافقه من انتشار تدريجي للجيش السوري في مناطق كانت خارج سيطرة الدولة

بقلم: سماح عثمان
١٠ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
13 مشاهدة
اتفاق سوريا

اتفاق سوريا

تشهد سوريا تداخلًا معقدًا بين مسارين متوازيين: الأول يتمثل في تطورات تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وتنظيم “قسد” وما رافقه من انتشار تدريجي للجيش السوري في مناطق كانت خارج سيطرة الدولة، والثاني يتجسد في توغلات إسرائيلية شبه يومية في ريف القنيطرة، في مشهد يعكس صراعًا مفتوحًا على شكل الدولة وحدود سيادتها.

هذه التطورات لا يمكن قراءتها بوصفها أحداثًا منفصلة، بل باعتبارها حلقات في مسار أوسع يتعلق بمحاولات استعادة سوريا لوظيفتها الأمنية والسياسية، في مقابل سعي قوى إقليمية ودولية، على رأسها إسرائيل وبدعم أمريكي مباشر، إلى إبقاء هذه الاستعادة منقوصة ومشروطة.

سوريا واتفاق تحت المجهر

بحسب مصادر رسمية سورية، يهدف الاتفاق مع “قسد” إلى إعادة دمج مناطق شمال وشرق سوريا ضمن الإطار السيادي للدولة، عبر انتشار الجيش السوري في نقاط حساسة، وضبط المعابر، ورفع الرموز غير الرسمية. أمنيًا، يمثل هذا الانتشار خطوة نوعية، لأنه يعيد تعريف من يملك قرار السلاح والأرض، بعد سنوات من تعدد مراكز القوة.

سياسيًا، يحمل الاتفاق رسالة مزدوجة: من جهة، يعكس استعداد دمشق لاعتماد مقاربة تفاوضية لاستعادة السيطرة بدل المواجهة العسكرية المباشرة، ومن جهة أخرى، يضع “قسد” أمام اختبار حقيقي بين الاندماج في الدولة أو البقاء كأداة وظيفية في المشروع الأمريكي. هذا التوازن الهش يجعل تنفيذ الاتفاق بطيئًا ومحفوفًا بالعراقيل، خصوصًا في ظل استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

انتشار ومعادلات

انتشار الجيش السوري في مناطق كانت خارجة عن السيطرة المركزية لا يقتصر على بعده الميداني، بل يحمل دلالة رمزية تتعلق بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الواحدة. عسكريًا، يسعى الجيش إلى تثبيت نقاط تمركز تمنع الفراغ الأمني وتحد من احتمالات الفوضى أو عودة التنظيمات المسلحة.

لكن هذا الانتشار يجري ضمن بيئة إقليمية معادية، حيث تُبقي أمريكا على أوراق ضغطها، وتراقب إسرائيل أي تحول قد يعيد للجيش السوري قدرته على الانتشار جنوبًا. من هنا، يصبح الانتشار ذاته رسالة سياسية مفادها أن دمشق تحاول استعادة زمام المبادرة، حتى وإن كانت هذه المحاولة محكومة بسقوف دولية صارمة.

توغلات متكررة

في موازاة ذلك، تتواصل التوغلات الإسرائيلية شبه اليومية في ريف القنيطرة، وفق ما أفادت به مصادر محلية وإعلامية سورية، في انتهاك واضح لاتفاق فض الاشتباك. هذه التحركات لا تحمل قيمة عسكرية كبيرة بحد ذاتها، لكنها تؤدي وظيفة أمنية–سياسية دقيقة: اختبار ردود الفعل، وجمع المعلومات، ومنع تشكل واقع ميداني مستقر.

إسرائيل تدرك أن أي استعادة فعلية للدولة السورية لسيطرتها الجنوبية تعني تراجع قدرتها على العمل بحرية، لذلك تسعى إلى إبقاء الجبهة في حالة سيولة دائمة. هذا السلوك ينسجم مع العقيدة الإسرائيلية القائمة على “إدارة التهديد” لا إنهائه، وهي عقيدة أثبتت فشلها أخلاقيًا وسياسيًا في فلسطين منذ أكتوبر 2023، حيث كشفت المجازر المتواصلة زيف الادعاءات الأمنية، والدور الأمريكي المباشر في توفير الغطاء لها.

استعادة مشروطة

الربط بين مسار الاتفاق مع “قسد” والتوغلات الإسرائيلية يكشف حقيقة أساسية: استعادة الدولة السورية ليست مسألة داخلية فقط، بل صراع مع شبكة تدخلات خارجية تسعى إلى إعادة تعريف السيادة بوصفها وظيفة ناقصة. إسرائيل، بدعم أمريكي، تعمل على تعطيل أي مسار يعيد لسوريا وحدتها الجغرافية أو قرارها الأمني المستقل.

في هذا السياق، تبدو استعادة سوريا عملية تدريجية، مليئة بالاختبارات، وليست حدثًا منجزًا. فكل خطوة انتشار أو تفاهم داخلي تقابلها محاولة خارجية للتقويض أو الاحتواء. ومع ذلك، فإن مجرد عودة الجيش السوري إلى مناطق غاب عنها لسنوات، واستمرار دمشق في فرض معادلة التفاوض من موقع الدولة، يشير إلى أن مسار الاستعادة، رغم كلفته وتعقيداته، لم يعد قابلًا للتجاهل أو الإلغاء.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

سوريا بين التفاهم والاختبار: هل تكتمل استعادة الدولة تحت النار؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°