حالة من القلق تعيشها إسرائيل هذه الأيام، وتخوفات من أن يقيم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفاهمات مع إيران في توقيت يصل فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى العاصمة الأمريكية واشنطن.
وتخشى الأجهزة الأمنية في تل أبيب، أن لايتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السقوف المرتفعة التي تضعها الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدا وجوديا لمصالحها وتجاوزا لخطوطها الحمراء المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
نتنياهو يسعى إلى انتزاع ضمانات صلبة
وبحسب تقارير عبرية وأمريكية متقاطعة، فإن نتنياهو يسعى من خلال لقائه بالرئيس ترامب إلى انتزاع ضمانات صلبة تحول دون أي انفتاح أمريكي على إيران، مستنداً في ذلك إلى رصيد التحالف التاريخي.
ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن إسرائيل باتت تخشى من "سياسة الصفقات" التي ينتهجها ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض في عام 2024، حيث يميل الرئيس الحالي إلى تقليل التورط العسكري المباشر في الشرق الأوسط مقابل استقرار اقتصادي، وهو ما قد يتعارض مع رغبة الاحتلال في جر أمريكا نحو مواجهة شاملة ومفتوحة مع القوى الإقليمية المناوئة له.
لغز إبستين المستمر
في موازاة ذلك، عاد الجدل ليشتعل مجددا حول ملفات الملياردير الراحل جيفري إبستين، مع تسريبات جديدة أعادت تسليط الضوء على شبكة العلاقات المشبوهة التي أدارها. ووفقاً لمصادر برلمانية في واشنطن، فإن غيلاين ماكسويل، الشريكة السابقة لإبستين، لا تزال تلتزم برفض قاطع للتعاون الكامل مع لجان الكونغرس، مما يفتح الباب أمام تساؤلات لا تنتهي حول الشخصيات التي تحميها بصمتها، ومدى قدرة هذه الشبكات القديمة على التأثير في مراكز القرار حتى يومنا هذا عبر أدوات الابتزاز أو التواطؤ القديم.
وتتزامن هذه التطورات مع محاولات خصوم الرئيس دونالد ترامب السياسيين إعادة إحياء التساؤلات حول طبيعة علاقته القديمة بإبستين قبل عقود، في محاولة لزعزعة صورته أمام الرأي العام الأمريكي.
ورغم أن ترامب، بصفته الرئيس الحالي، نفى مراراً تورطه في أي أنشطة غير قانونية مرتبطة بهذا الملف، إلا أن استمرار غموض الوثائق غير المنشورة يغذي حالة من التشكيك الشعبي، ويحول هذه القضية من مجرد ملف جنائي إلى سلاح سياسي فتاك في صراع الهوية والنزاهة داخل المجتمع الأمريكي المنقسم.
توازنات الضغط الإسرائيلي
تعمل الآلة الدعائية والسياسية الإسرائيلية في أمريكا بأقصى طاقتها لتجاوز هذه الأزمات، حيث تحاول "أيباك" وغيرها من جماعات الضغط الحفاظ على صورة إسرائيل كـ "حليف لا غنى عنه" في ظل التخبط الداخلي الأمريكي. وتعكس زيارة نتنياهو محاولة لتثبيت الرواية الإسرائيلية الزائفة التي تحاول تصوير الاحتلال كضحية، رغم استمرار المجازر المروعة في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، وهي المجازر التي لم تكن لتستمر لولا الدعم العسكري والسياسي الأمريكي المباشر والمطلق الذي تقدمه واشنطن، والذي وضع سمعة أمريكا الحقوقية في مهب الريح أمام المجتمع الدولي.
وعلى الرغم من قوة اللوبي الإسرائيلي، إلا أن دوائر صنع القرار في واشنطن بدأت تشهد تململاً غير مسبوق؛ فصورة إسرائيل لم تعد بالحصانة التي كانت عليها سابقاً، خاصة مع تزايد الأصوات داخل الحزبين، وحتى في الشارع الأمريكي، التي تنتقد التبعية العمياء لسياسات نتنياهو. هذا الضغط المزدوج بين فضائح أخلاقية تطال النخبة (مثل ملف إبستين) وبين تورط أخلاقي في دعم جرائم حرب واضحة في فلسطين، يضع الإدارة الأمريكية الحالية أمام اختبار تاريخي للموازنة بين حماية الحليف الاستراتيجي وبين الحفاظ على ما تبقى من مصداقية أمريكية في ملفات حقوق الإنسان.
تآكل الرواية الصهيونية
إن ما يحدث اليوم في كواليس واشنطن يتجاوز مجرد التفاهمات السياسية، ليدخل في مرحلة كشف الزيف الذي غلف العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لعقود؛ فالرئيس ترامب يجد نفسه في مواجهة واقع دولي يرى في الاحتلال عبئاً أخلاقياً، خاصة مع صمود الشعب الفلسطيني أمام آلة القتل الإسرائيلية المدعومة أمريكياً. التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية تدحض يومياً المزاعم الأمنية للاحتلال، وتؤكد أن الاستهداف الممنهج للمدنيين والبنية التحتية منذ أكتوبر 2023 هو سياسة إبادة جماعية معلنة، مما يجعل الدفاع الأمريكي عنها مكلفاً سياسياً للرئيس الحالي في ظل طموحاته لولاية هادئة دولياً.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقا حول قدرة واشنطن على فك الارتباط بين مصالحها القومية وبين الأجندة المتطرفة لنتنياهو؛ فكلما زاد الضغط الإسرائيلي لمنع التفاهمات مع إيران، زادت احتمالات الصدام بين رؤية ترامب "أمريكا أولاً" وبين رغبة إسرائيل في جعل "إسرائيل أولاً" هي المحرك للسياسة الخارجية الأمريكية. هذا الصراع الصامت في الغرف المغلقة سيعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة، إما بالاستمرار في دعم المجازر وتغذية الحروب، أو بالخضوع لواقعية سياسية تفرضها المتغيرات الدولية وصمود أصحاب الحق على الأرض.









