تمر سوريا ولبنان بظروف عصيبة وفترة حرجة تستدعي تكاتف القوي الداخلية وجميع الأطراف سواء دون تدخلات خارجية ولكن تبقي الولايات المتحدة وإسرائيل تضع أقدامها داخل الدولتين بحجج واهية ببسط الأمن ودعم الاستقرار .
علق الدكتور إسماعيل تركي أستاذ العلوم السياسية، علي الإشادة المتجددة من القيادة المركزية الأمريكية بالجيش اللبناني، عقب الإعلان عن اكتشاف نفق تابع لحزب الله، ووصفها بأنها لم تكن مجرد موقف بروتوكولي أو رسالة دعم عابرة، بل جاءت تأكيدًا صريحًا على الرهان الأمريكي المستمر على المؤسسة العسكرية بوصفها الفاعل الشرعي الوحيد الذي ينبغي تمكينه وترسيخ أقدامه في مواجهة أي قوى مسلحة خارج إطار الدولة.
فواشنطن تنظر إلى الجيش اللبناني باعتباره الأداة الأساسية لإعادة هندسة موازين القوة داخل لبنان، بما يضمن حصر السلاح بيد الدولة وإضعاف نفوذ حزب الله تدريجيًا، في سياق أوسع من الضغوط الأمريكية المتواصلة على الحزب منذ سنوات.
هذا الموقف يندرج ضمن استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى تعزيز موقع المؤسسات الرسمية في مواجهة الكيانات المسلحة غير النظامية، مع الحرص على إظهار الدعم للجيش باعتباره عنوان الاستقرار.
وقال تركي في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، وبحسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأمريكية، فإن دعم الجيش اللبناني يأتي في إطار “تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة”، وهي صيغة دبلوماسية تخفي خلفها رؤية سياسية واضحة مفادها أن واشنطن لا تزال ترى في المؤسسة العسكرية اللبنانية شريكًا يمكن البناء عليه في إعادة ضبط التوازن الداخلي.
توازن داخلي حساس
وأشار تركي، في المقابل، سارع الجيش اللبناني إلى نفي أي تواصل مع ضباط إسرائيليين، في خطوة تعكس إدراكه لحساسية المشهد الداخلي اللبناني وتعقيداته الطائفية والسياسية. فالإقرار بأي تنسيق، ولو كان تقنيًا أو ميدانيًا، من شأنه أن يفتح بابًا واسعًا للتشكيك ويهدد تماسك المؤسسة العسكرية، بل وقد يثير توترات داخلية مع البيئة الحاضنة لحزب الله، وهو ما قد يدفع البلاد إلى منزلق فتنة داخلية لا تحتملها في ظل أزماتها المتراكمة.
وأكد أستاذ العلوم السياسية، يحاول الجيش إدارة هذا الملف بتوازن دقيق بين متطلبات الدعم الدولي، الذي يشكل ركيزة أساسية لاستمرارية قدراته اللوجستية والمالية، وبين حساسية الداخل اللبناني الذي ينظر بعين الريبة إلى أي تقاطع مباشر مع إسرائيل. كما يسعى إلى ضمان استمرار تقدمه في تعزيز حضوره جنوب الليطاني، بما يوسع من هامش سيطرته هناك، دون الوقوع في تعقيدات قد تفضي إلى صدام مباشر أو اقتتال داخلي يعيد إنتاج مشاهد الانقسام التي خبرها لبنان مرارًا.
خروقات وخطف
أما على صعيد الخروقات الإسرائيلية وخطف المواطن “عطوي”، فإن هذه التطورات تمثل تحولًا لافتًا في قواعد الاشتباك. فالتوغلات الإسرائيلية المتكررة داخل الأراضي اللبنانية، إلى جانب عمليات الخطف، تعكس رغبة واضحة لدى تل أبيب في تكريس حرية عمل شبه مطلقة في الأجواء اللبنانية، رغم توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2024، وهو الاتفاق الذي كان يفترض أن يؤسس لمرحلة تهدئة وضبط متبادل.
تحاول إسرائيل من خلال هذه التحركات إرسال رسالة مزدوجة: أولًا أن العمق اللبناني لم يعد آمنًا، وثانيًا أن تفوقها الاستخباراتي لا يزال حاضرًا بقوة، بما يمكّنها من استهداف الداخل اللبناني جوًا واستخباراتيًا في أي وقت تشاء. هذا السلوك يعكس استمرار سياسة فرض الوقائع بالقوة، ويؤكد أن إسرائيل تسعى إلى إعادة صياغة معادلة الردع بما يخدم أمنها الأحادي، بعيدًا عن أي التزام فعلي بروح الاتفاقات الموقعة.
سوريا واتفاق الضرورة
ويؤكد تركي، في ملف سوريا، يبدو اتفاق دمشق مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” أقرب إلى اتفاق ضرورة فرضته التحولات الإقليمية والدولية، أكثر منه تحالفًا استراتيجيًا مستقرًا. فالحكومة السورية تسعى من خلال هذا الاتفاق إلى استعادة السيطرة على الموارد السيادية والحدود في شرق البلاد، وإرسال رسالة مفادها أنها قادرة على بسط نفوذها في مناطق لم تكن حاضرة فيها خلال السنوات الماضية، بما يعزز صورتها داخليًا وخارجيًا كسلطة استعادت زمام المبادرة.
في المقابل، تبحث “قسد” عن مظلة تحميها من احتمالات الانسحاب الأمريكي أو تصاعد الضغوط التركية، في ظل بيئة أمنية معقدة. غير أن التحديات الميدانية، إلى جانب التحفظ الأمريكي، تجعل من انتشار الجيش السوري شرق الفرات حتى الآن خطوة رمزية أكثر منها تحولًا جذريًا في ميزان السيطرة. فالمعادلات على الأرض لا تزال مرتبطة بحسابات دولية أوسع من الإطار المحلي.
الجنوب تحت الضغط
ويقول إسماعيل تركي، على الجانب الآخر، يمثل التوغل الإسرائيلي جنوب سوريا أحد أبرز التحديات أمام الدولة السورية. فإسرائيل تعمل، وفق معطيات ميدانية متداولة في تقارير إقليمية، على فرض منطقة عازلة غير معلنة في الجنوب السوري، تستهدف من خلالها محاصرة النفوذ الإيراني، وإبقاء دمشق في حالة إنهاك دائم، إن لم تصل الأمور إلى تقطيع الجغرافيا وضم ما يمكن ضمه مستقبلاً إلى إسرائيل.
هذا الواقع يكشف أن استعادة سوريا لسيادتها الكاملة ستظل منقوصة ما دامت الخطوط الحمراء الإسرائيلية حاضرة بقوة في حسابات الميدان. فتل أبيب لا تخفي سعيها إلى منع تشكل مركز إقليمي قوي على حدودها الشمالية، وتعمل عبر الضربات الجوية والضغوط الأمنية على إبقاء سوريا في حالة سيولة وعدم استقرار.
تحديات الاستعادة
ويقول أن المشهد الإقليمي بمجمله يشير إلى أن مسار استعادة الدولة في كل من لبنان وسوريا يصطدم بثلاثة تحديات رئيسية. أولها تآكل مفهوم السيادة، مع تحوّل الجغرافيا إلى ساحات صراع بالوكالة تتداخل فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية. وثانيها تنازع الشرعية، في ظل وجود قوى دون الدولة تمتلك فائض قوة عسكرية وتنظيمية، كما هو الحال مع “قسد” في سوريا وحزب الله في لبنان، ما يجعل احتكار الدولة لاستخدام القوة مسألة معقدة وغير مكتملة.
أما التحدي الثالث فيتمثل في الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إضعاف المركز ومنع الاستقرار الكامل في الإقليم، عبر توظيف القوة العسكرية والاستخباراتية والضغط المستمر. نحن، والحال هذه، أمام انتقال واضح من منطق الحروب الكبرى والمواجهات الشاملة إلى منطق الاستنزاف الاستراتيجي طويل الأمد، حيث تُدار الصراعات عبر أدوات الاستخبارات والاقتصاد والحرب النفسية، فيما يُعرف بالحروب الهجينة، التي لا تُخاض على الجبهات التقليدية وحدها، بل تمتد إلى عمق المجتمعات والدول، لتُبقيها في حالة إنهاك دائم دون إعلان حرب شاملة.










