شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اليوم السبت تحركاً دبلوماسياً رفيع المستوى، حيث استغل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، مشاركته في الدورة العادية التاسعة والثلاثين لمؤتمر الاتحاد الإفريقي لإرسال رسائل حاسمة بشأن الأزمة السودانية.
دعا جوتيريش في كلمته الافتتاحية إلى ضرورة الوقف الفوري وغير المشروط لإطلاق النار في كافة أنحاء السودان، مشدداً على أن استمرار الحرب لم يعد خياراً مقبولاً في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية وتهديدها المباشر للأمن الإقليمي.
وأوضح الأمين العام أن الأمم المتحدة تقف بكل ثقلها خلف بعثات السلام التي تقودها إفريقيا، مؤكداً أن الحلول المنبثقة من داخل القارة هي الأقدر على فهم تعقيدات النزاع وبناء سلام مستدام يلبي طموحات الشعب السوداني في الحرية والاستقرار.
دعم بعثات السلام الإفريقية
في إطار رؤيته لتعزيز الاستقرار القاري، أكد جوتيريش أن الأمم المتحدة تلتزم بتقديم كافة أشكال الدعم اللوجستي والفني والمادي للبعثات الإفريقية التي تسعى لرأب الصدع في مناطق النزاعات الحادة، وعلى رأسها الملف السوداني.
وأشار إلى أن الدورة التاسعة والثلاثين لمؤتمر الاتحاد الإفريقي تمثل فرصة تاريخية لإعادة تعريف الشراكة بين المنظمة الدولية والقارة السمراء، بحيث تصبح إفريقيا هي القائد لعمليات السلام مع توفير غطاء دولي شامل من الأمم المتحدة.
إن هذا التوجه يعكس قناعة دولية متزايدة بأن "الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية" هي المسار الأنجع لإنهاء الحروب الأهلية، خاصة مع تزايد كفاءة القوات الإفريقية في التعامل مع بؤر التوتر المعقدة وحماية المدنيين من ويلات القتال المستمر.
مواجهة العنف والنزوح
لم يكتفِ الأمين العام بالمطالبة بوقف إطلاق النار، بل حث القادة الأفارقة المجتمعين في أديس أبابا على تقديم دعم مستمر وغير منقطع للمبادرات التي تهدف إلى كسر "دوامات العنف" التي عصفت بدول عديدة في القارة خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح جوتيريش أن أزمة النزوح في السودان والدول المجاورة وصلت إلى مستويات كارثية تتطلب تظافراً دولياً وإقليمياً غير مسبوق لتوفير الممرات الآمنة والمساعدات الإغاثية.
وشدد على أن النزوح ليس مجرد نتيجة للنزاع، بل هو محرك لعدم الاستقرار المستقبلي إذا لم يتم التعامل مع جذوره السياسية والاجتماعية، وهو ما يستدعي من الاتحاد الإفريقي تفعيل آليات الإنذار المبكر والوساطة الوقائية لمنع انهيار الدول والمجتمعات تحت وطأة السلاح.
التحديات الإنسانية في السودان
في ظل تدهور البنية التحتية ونقص الإمدادات الطبية والغذائية، يرى أنطونيو جوتيريش أن وقف إطلاق النار هو الخطوة الأولى الضرورية لفتح الطريق أمام استجابة إنسانية شاملة تستطيع الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً في دارفور والخرطوم وكردفان.
إن الأمم المتحدة، من خلال تنسيقها مع الاتحاد الإفريقي، تسعى لتأسيس مراكز لوجستية إقليمية تضمن تدفق المساعدات بشكل انسيابي، بعيداً عن تجاذبات الأطراف المتصارعة.
وأكد جوتيريش أن حماية المدنيين الفلسطينيين والسودانيين وكافة ضحايا النزاعات حول العالم هي الأولوية القصوى للمنظمة الدولية في عام 2026، محذراً من أن التجاهل الدولي لما يحدث في السودان قد يؤدي إلى كارثة تفوق قدرة المنظمات الإغاثية على الاستيعاب والتعامل مع النتائج.
آفاق التسوية والحلول
تعتمد رؤية الأمم المتحدة للحل في السودان على تمكين الاتحاد الإفريقي من لعب دور الوسيط الأساسي في أي مفاوضات سياسية مقبلة، مع التأكيد على ضرورة مشاركة القوى المدنية في رسم معالم الدولة.
ويرى المراقبون أن خطاب جوتيريش في القمة الإفريقية يمهد الطريق لضغوط دولية مكثفة على الأطراف العسكرية للجلوس إلى طاولة الحوار دون شروط مسبقة.
إن دعم الأمم المتحدة لبعثات السلام الإفريقية يعني أيضاً توفير الموارد المالية اللازمة لمراقبة أي وقف مستقبلي للنار، وضمان عدم خرق الاتفاقات من قبل الميليشيات أو القوات النظامية هذا التنسيق عالي المستوى يهدف في النهاية إلى إعادة السودان إلى مسار التحول الديمقراطي الذي بدأته ثورة ديسمبر، بعيداً عن هيمنة السلاح على القرار الوطني.










