21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حرب بلا صافرة نهاية: هل تُعيد إسرائيل تعريف الصراع في غزة كمعادلة دائمة؟

منذ أكتوبر 2023، لم تعد الحرب في غزة حدثًا عسكريًا عابرًا يمكن قياسه بمؤشرات التقدم والتراجع التقليدية، بل تحوّلت إلى حالة سياسية وأمنية مركّبة تتجاوز منطق “الحسم” إلى ما يشبه “الإدارة”

بقلم: سماح عثمان
١٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
15 مشاهدة
الصراع في غزة

الصراع في غزة

منذ أكتوبر 2023، لم تعد الحرب في غزة حدثًا عسكريًا عابرًا يمكن قياسه بمؤشرات التقدم والتراجع التقليدية، بل تحوّلت إلى حالة سياسية وأمنية مركّبة تتجاوز منطق “الحسم” إلى ما يشبه “الإدارة”. فمع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتصاعد أعداد الضحايا المدنيين، وتوسّع الدمار على نحو غير مسبوق، يبرز سؤال جوهري: هل تسعى إسرائيل فعلًا إلى إنهاء المواجهة، أم أنها تدير صراعًا طويل الأمد يضمن بقاء غزة في دائرة الاستنزاف الدائم؟

المشهد على الأرض، وفق تقارير أممية وتصريحات مسؤولين إسرائيليين متعاقبة، يكشف عن غياب رؤية واضحة لنهاية سياسية للصراع، مقابل حضور كثيف لمنطق الردع المرحلي وإعادة إنتاج المواجهة. هذا التحوّل في المقاربة يعكس، في جوهره، انتقالًا من استراتيجية “الضربة القاضية” إلى سياسة “إبقاء الجرح مفتوحًا”، وهي سياسة لها كلفتها الإنسانية والسياسية، لكنها تخدم حسابات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل الواقع في القطاع والمنطقة.

غزة وحرب بلا نهاية

منذ الأسابيع الأولى للحرب، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أهدافًا كبرى تتعلق بالقضاء على حركة حماس وتغيير الواقع الأمني في غزة. غير أن مسار العمليات الميدانية، بعد أشهر طويلة من القصف والاقتحامات البرية، أظهر فجوة واضحة بين الشعارات والنتائج. فبحسب تقارير لصحف إسرائيلية كبرى، لا تزال بنية الحركة قائمة بدرجات متفاوتة، فيما تستمر المواجهات في مناطق سبق أن أعلنت إسرائيل السيطرة عليها.

هذا التناقض يطرح احتمال أن الحسم الكامل لم يكن هدفًا قابلًا للتحقق أصلًا، أو أنه لم يكن الهدف الفعلي. فإدارة الصراع تعني الإبقاء على مستوى من التوتر يسمح بتبرير العمليات العسكرية المتكررة، ويحول دون نشوء استقرار سياسي قد يفرض استحقاقات تفاوضية أو ضغوطًا دولية لقيام دولة فلسطينية. بذلك، يصبح استمرار الحرب — ولو بوتيرة منخفضة — أداة لضبط الإيقاع، لا لإنهائه.

الكلفة الإنسانية

لا يمكن فصل هذا النقاش عن الواقع الكارثي الذي يعيشه المدنيون في غزة. فمنذ أكتوبر 2023، سقط عشرات الآلاف من الضحايا، غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة وتقارير الأمم المتحدة. كما تعرضت البنية التحتية للتدمير الواسع، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، في مشهد وصفته منظمات حقوقية دولية بأنه غير مسبوق في كثافته.

الرواية الإسرائيلية التي تبرر العمليات تحت عنوان “مكافحة الإرهاب” تتجاهل، في كثير من الأحيان، حجم الاستهداف الواسع للمناطق السكنية، وتُسقط من حسابها الطبيعة المحاصَرة للقطاع، ما يجعل السكان بلا ملاذ آمن. هذا التوصيف لا يلغي تعقيدات المشهد الأمني، لكنه يفضح زيف الادعاء بأن ما يجري مجرد عمليات دقيقة تستهدف مقاتلين بعينهم. فالمجازر المتواصلة منذ أكتوبر 2023 تشير إلى نمط قصف واسع النطاق، لا إلى استهداف محدود.

الدعم الأمريكي

في قلب هذا النموذج المحتمل لإدارة الصراع، يبرز الدور الأمريكي بوصفه عنصرًا حاسمًا. فالإدارة الأمريكية، في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب منذ 2024، واصلت تقديم دعم عسكري وسياسي واسع لإسرائيل، سواء عبر صفقات تسليح متقدمة أو عبر استخدام الفيتو في مجلس الأمن لإجهاض مشاريع قرارات تدعو إلى وقف إطلاق النار الفوري.

هذا الدعم لا يقتصر على الغطاء الدبلوماسي، بل يمتد إلى إمدادات عسكرية مباشرة تُستخدم في العمليات الجارية. ووفقًا لتقارير صحفية أمريكية، فإن واشنطن تنظر إلى الحرب ضمن إطار أوسع لإعادة ترتيب توازنات المنطقة. غير أن هذا الانخراط العميق يجعل أمريكا شريكًا مباشرًا في النتائج الميدانية والإنسانية، ويقوّض ادعاء الحياد أو الوساطة النزيهة.

سياسة الاستنزاف

إدارة الصراع تعني أيضًا تحويل غزة إلى ساحة استنزاف دائم، تُستنزف فيها الموارد الفلسطينية، وتُستنزف معها فرص إعادة الإعمار والاستقرار. فكل جولة قتال جديدة تعيد القطاع سنوات إلى الوراء، وتعمّق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، ما يخلق بيئة هشّة قابلة للاشتعال في أي لحظة.

من زاوية أخرى، قد ترى إسرائيل في هذا النموذج وسيلة لتفادي الخيارات الكبرى: لا احتلال كامل بتكلفته البشرية والسياسية، ولا انسحاب كامل يفتح الباب أمام واقع سياسي جديد. إنها منطقة رمادية تبقي غزة معلّقة بين الحرب والسلم، وتُبقي المجتمع الدولي في حالة إدارة أزمة مستمرة بدل حلّ جذري.

مأزق الحسم

الحسم العسكري، كما تُظهر تجارب تاريخية عديدة، لا يعني بالضرورة حسمًا سياسيًا. وفي الحالة الفلسطينية، يبدو أن القوة المفرطة لم تُنتج استقرارًا مستدامًا في أي مرحلة سابقة. بل إن كل دورة عنف كانت تفضي إلى جولة لاحقة أشد تعقيدًا. من هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تحوّلت الحرب إلى إطار دائم يُعاد تشغيله كلما اقتضت الحسابات السياسية الداخلية أو الإقليمية؟

إن استمرار المجازر منذ أكتوبر 2023، وتراكم الغضب الشعبي الفلسطيني، واتساع الانتقادات الدولية، كلها مؤشرات على أن إدارة الصراع قد تؤجل الانفجار لكنها لا تمنعه. وفي ظل غياب أفق سياسي حقيقي، تبدو غزة عالقة في نموذج صراع دائم، يُنتج الألم أكثر مما يُنتج الحلول، ويكشف أن ما يُقدَّم باعتباره حربًا للحسم قد يكون، في جوهره، إدارة مفتوحة لجراح لا يُراد لها أن تلتئم.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

حرب بلا صافرة نهاية: هل تُعيد إسرائيل تعريف الصراع في غزة كمعادلة دائمة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°