21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د.سعيد أبو رحمة يكتب: اسرائيل تعيد رسم الضفة.. قانون أم ثورة استيطانية ؟

التوجّه الذي تحدّثت عنه مصادر إعلامية والمتعلق ببدء عملية تسوية وتسجيل الأراضي في الضفة الغربية يحمل أبعادًا قانونية وسياسية واستراتيجية تتجاوز الإطار الإداري البحت

بقلم: د. سعيد محمد ابو رحمه
١٥ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
17 مشاهدة
اسرائيل تعيد رسم الضفة

اسرائيل تعيد رسم الضفة

التوجّه الذي تحدّثت عنه مصادر إعلامية والمتعلق ببدء عملية تسوية وتسجيل الأراضي في الضفة الغربية يحمل أبعادًا قانونية وسياسية واستراتيجية تتجاوز الإطار الإداري البحت. فرغم أن تسوية الأراضي تبدو ظاهريًا إجراءً تقنيًا يهدف إلى تنظيم الملكيات العقارية وحسم النزاعات، فإن تطبيقها في سياق الضفة الغربية  وهي منطقة ذات وضع قانوني متنازع عليه دوليًا  يمنحها دلالات عميقة تتصل بمسألة السيادة والحدود المستقبلية.


أولًا، من الناحية القانونية، تسجيل مساحات واسعة كـأراضي دولة يغيّر الوضع الإجرائي للأرض، إذ تصبح خاضعة مباشرة لسلطة الدولة التي سجلتها، ما يسهّل تخصيصها لمشاريع بنى تحتية أو استيطانية. في الضفة الغربية، حيث لا تزال مساحات كبيرة غير مسجلة رسميًا منذ العهدين العثماني والأردني، فإن فتح مسار تسوية شامل يمنح الجهة القائمة على الإدارة قدرة واسعة على إعادة تصنيف الأراضي، خصوصًا في المناطق المصنفة “ج” الخاضعة للسيطرة الإدارية والأمنية الإسرائيلية. هذا التحرك، إن تم بشكل واسع، قد يؤدي إلى تثبيت واقع قانوني جديد يصعب التراجع عنه لاحقًا.


ثانيًا، سياسيًا يُفهم القرار في سياق أوسع يتعلق بتوجهات الحكومة الإسرائيلية الحالية الداعمة لتوسيع وتعزيز المشروع الاستيطاني. فبدل الاكتفاء بإقامة بؤر أو مستوطنات جديدة، يصبح الهدف إعادة هندسة البنية القانونية للأرض نفسها. هذه المقاربة تمثل انتقالًا من إدارة مؤقتة للأراضي إلى تكريس طويل الأمد لسيطرة مؤسسية. ومن هنا تأتي عبارة الثورة الاستيطانية التي تعكس تصورًا استراتيجيًا لا يقتصر على التوسع العمراني، بل يشمل إعادة تعريف الملكية والسيادة فعليًا على الأرض.


ثالثًا، على المستوى الفلسطيني يثير القرار مخاوف من تقليص المساحات المتاحة للتوسع العمراني أو الزراعي الفلسطيني، ومن إضعاف فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا. فكل تسجيل جديد كـأراضي دولة إسرائيل قد يعني، عمليًا، تقليص هامش الأراضي التي يمكن التفاوض عليها مستقبلًا. كما قد يؤدي ذلك إلى زيادة الاحتكاك الميداني، خاصة في المناطق التي يدّعي فلسطينيون ملكيتها التقليدية دون تسجيل رسمي مكتمل.


رابعًا، دوليًا يُرجّح أن يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها إجراءً أحاديًا في أرض تُعدّ  وفق غالبية المجتمع الدولي وقرارات الأمم المتحدة  أرضًا محتلة. وبالتالي قد تواجه إسرائيل انتقادات سياسية أو ضغوطًا دبلوماسية، لا سيما من أطراف ترى أن مثل هذه الإجراءات تقوّض حل الدولتين. ومع ذلك فإن التجارب السابقة تشير إلى أن التأثير العملي للانتقادات الدولية غالبًا ما يبقى محدودًا ما لم يقترن بإجراءات سياسية أو اقتصادية ملموسة.


 إذا نُفِّذ القرار  على نطاق واسع  لا يُقرأ فقط كتنظيم إداري لسجلات الأراضي، بل كخطوة ذات بعد استراتيجي طويل المدى تهدف إلى تثبيت وقائع قانونية وسياسية على الأرض، بما يعيد تشكيل ميزان القوى التفاوضي ويؤثر في مستقبل التسوية النهائية. انعكاساته لن تقتصر على الجانب العقاري، بل ستمتد إلى بنية الصراع ذاته، وإلى شكل أي تسوية سياسية محتملة في السنوات القادمة.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. سعيد محمد ابو رحمه

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د.سعيد أبو رحمة يكتب: اسرائيل تعيد رسم الضفة.. قانون أم ثورة استيطانية ؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°