21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ليون سيوفي لـ"180 تحقيقات": لبنان في قبضة الحرب الرقمية.. ويعيش واحدة من أعقد مراحله التاريخية

يقول د. ليون سيوفي الكاتب والمحلل السياسي، أن لبنان يعيش واحدة من أعقد مراحله التاريخية، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية في مشهد يشي بانهاك الدولة والمجتمع معًا

بقلم: سماح عثمان
١٦ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
18 مشاهدة
لبنان

لبنان

​​​يقول د. ليون سيوفي الكاتب والمحلل السياسي، أن لبنان يعيش واحدة من أعقد مراحله التاريخية، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية في مشهد يشي بانهاك الدولة والمجتمع معًا. فالانهيار المالي الذي انفجر منذ عام 2019، وتآكل مؤسسات الدولة، وتراجع الثقة بالطبقة السياسية، كلها عوامل أضعفت البنية الداخلية وفتحت المجال أمام أشكال جديدة من الصراع لا تقل خطورة عن المواجهات العسكرية التقليدية.

ويؤكد لـ " 180 تحقيقات" ، في هذا السياق المأزوم، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد مساحة للتعبير أو التفاعل الاجتماعي، بل تحول إلى ساحة حرب موازية، تُدار فيها معارك التأثير النفسي، وتُصاغ فيها اتجاهات الرأي العام، وتُختبر فيها قدرة المجتمع على الصمود. الهواتف الذكية ومنصات التواصل لم تعد أدوات محايدة، بل أصبحت في كثير من الأحيان وسائل اختراق مباشر للوعي الجمعي، ولمفهوم الاستقرار، ولمعنى الوحدة الوطنية.

هندسة الفوضى

ويشير سيوفي، لم يعد خافيًا أن جهات معادية وشبكات منظمة تستخدم حسابات وهمية وأرقامًا مزيفة ولهجات محلية وأساليب نفسية مدروسة، بهدف التسلل إلى المجتمعات من الداخل وتفكيكها تدريجيًا. يتم ذلك عبر بث الإشاعات، وتضخيم الأخبار الكاذبة، وتأجيج الانقسامات الطائفية والسياسية، وتوجيه النقاش العام نحو مسارات تصادمية تخدم أجندات خارجية.

ويستطرد حديثه قائلا، أن هذه الممارسات لا تقوم على العشوائية، بل على تخطيط طويل النفس يستثمر في هشاشة الواقع الداخلي. فكل مجتمع منقسم يصبح أكثر قابلية للاختراق، وكل أزمة معيشية تتحول إلى مدخل لإشعال غضب غير منضبط، يمكن توجيهه وتضخيمه رقميًا. وهنا يصبح التلاعب بالمعلومة أداة استراتيجية تهدف إلى ضرب الثقة بين المواطن والدولة، وإضعاف أي إمكانية لبناء استقرار مستدام.

مكالمات خادعة

ويشير، لا يقتصر الاختراق على المنصات الرقمية فحسب، بل يمتد إلى الاتصالات الهاتفية المباشرة، حيث يعمد بعض الجواسيس والمتخابرين إلى استعمال أسماء وهمية وانتحال صفات مضللة. تُبنى المكالمات على مراحل مدروسة من كسب الثقة، والتودد، وطرح أسئلة تبدو عابرة، لكنها تمهد تدريجيًا لاستدراج المتلقي نحو تقديم معلومات أو اتخاذ مواقف تخدم أهدافًا معادية.

فخطورة هذا الأسلوب تكمن في طابعه الشخصي، إذ يشعر المواطن أنه في تواصل مباشر وآمن، بينما هو في الواقع داخل شبكة خداع محكمة. ومع غياب الوعي الرقمي الكافي، قد يتحول الفرد من ضحية إلى أداة غير مقصودة في مشروع يستهدف الأمن الوطني برمته.

لبنان والخيانة من الداخل

لا يمكن تجاهل وجود ضعاف نفوس من اللبنانيين ومأجورين يرتبطون بأجندات خارجية، يقيم بعضهم خارج البلاد ويتخذ من البعد الجغرافي غطاءً للخيانة، ومن المال وسيلة لبيع الضمير. هؤلاء يمارسون التحريض والتضليل من وراء الشاشات، ويشاركون بوعي كامل في حملات تستهدف الاستقرار الوطني وتعمّق الانقسامات الداخلية.

تجارب المنطقة تقدم نماذج واضحة لما يمكن أن تؤول إليه الأمور. ففي العراق، تحوّل التضليل الإلكتروني خلال مراحل مختلفة إلى أداة لتدمير الثقة العامة، وإشعال النزاعات، وضرب هيبة الدولة، وشل المؤسسات، وفق ما وثقته تقارير إعلامية وأمنية متعددة. ما جرى هناك ليس بعيدًا عن لبنان، ولا هو سيناريو مستحيل إذا استمر الاستهتار واللامبالاة في التعاطي مع الحرب الرقمية.

مسؤولية فردية

ويقول ليون سيوفي، أن تداول خبر كاذب، أو مشاركة منشور تحريضي، أو التفاعل مع حساب مشبوه، أو الاستجابة لاتصال مجهول المصدر، لم يعد خطأ فرديًا بسيطًا. في ظل هذا المناخ، يصبح كل سلوك رقمي مساهمة محتملة في مشروع تخريبي يستهدف الوطن، سواء عن قصد أو عن غير قصد.

من هنا، يفرض الواجب الوطني والأخلاقي على كل لبناني الامتناع الكامل عن إعادة نشر أي محتوى غير موثوق، ورفض التفاعل مع خطاب يحرض على الكراهية أو التخوين أو الفتنة، وحماية البيانات الشخصية وعدم مشاركة أي معلومات حساسة. كما يقتضي عدم الاستجابة لأي اتصال مجهول أو مريب، وحظر أي رقم أو حساب يثير الشبهات فورًا، وإبلاغ الأجهزة الأمنية المختصة، ولا سيما الأمن العام ومخابرات الجيش وشعبة المعلومات، عن أي نشاط أو تواصل مشبوه قبل فوات الأوان.

معركة الوعي

وكشف عن أخطر ما تواجهه الدول المنهكة ليس العدوان الخارجي وحده، بل انهيار المناعة الداخلية. حين يفقد المجتمع بوصلته ويتحول إلى مجموعات متصارعة، يصبح اختراقه مسألة وقت لا أكثر. في هذا السياق، يتحول كل هاتف في يد مواطن إلى خيارين لا ثالث لهما: إما أداة حماية للوطن، أو ثغرة تُستغل ضده.

لا حياد في هذه المعركة. الصمت عن التضليل، والتساهل مع التحريض، والتهاون مع الإشاعة، أشكال غير مباشرة من التواطؤ مع مشاريع التفكيك. لبنان لا يُحمى بالشعارات، بل بسلوك يومي واعٍ، وبمواطنة رقمية مسؤولة، وبانتماء وطني لا تهزه الاستفزازات ولا الحملات الممنهجة.

واختتم، فلنكن على قدر المرحلة، ولنجعل من وعينا خط الدفاع الأول، قبل أي سلاح آخر.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال