يواجه العراق في مطلع عام 2026 لحظة سياسية فارقة تتجاوز مجرد تشكيل حكومة جديدة لتصل إلى صراع إرادات دولي وإقليمي على أرض الرافدين.
فمع استمرار الانسداد السياسي الذي أعقب انتخابات أواخر عام 2025، دخل ملف حسم رئاسة الحكومة في نفق المفاوضات المعقدة، حيث تحاول القوى السياسية العراقية، وخاصة داخل بيت "الإطار التنسيقي" الشيعي، موازنة كفة الميزان بين الضغوط الأمريكية المتصاعدة التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب، وبين النفوذ الإيراني المتجذر الذي يسعى للحفاظ على مكتسباته الاستراتيجية.
إن اختيار الشخصية التي ستتولى قيادة المرحلة المقبلة لم يعد شأناً داخلياً صرفاً، بل تحول إلى اختبار لمدى قدرة بغداد على النأي بنفسها عن صراعات المحاور، أو التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات في ظل التوتر المتصاعد في المنطقة.
صراع "الفيتو" والأسماء المطروحة لرئاسة الوزراء
برز اسم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي كمرشح قوي من قبل ائتلاف "دولة القانون" والكتل القريبة من طهران، مما أثار عاصفة من الردود الدولية والداخلية. إدارة ترامب لم تتأخر في التعبير عن موقفها بوضوح، حيث هدد الرئيس الأمريكي علناً بقطع المساعدات الاقتصادية والعسكرية عن العراق في حال عودة المالكي للسلطة، معتبراً أن سياساته "الأيديولوجية" قد تؤدي إلى انهيار البلاد مجدداً.
هذا "الفيتو" الأمريكي الصريح وضع القوى الشيعية أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما المضي قدماً في ترشيح شخصية قوية تحظى بدعم طهران وتخاطر بقطيعة مع واشنطن، أو البحث عن "رجل المرحلة" التوافقي الذي يمكنه طمأنة المجتمع الدولي وضمان استمرار الدعم الاقتصادي، وهو ما دفع بعض قيادات الإطار التنسيقي، مثل عمار الحكيم وحيدر العبادي، للبحث عن بدائل أكثر قبولاً.
توازن واشنطن وطهران داخل "المنطقة الخضراء"
تعتبر بغداد اليوم هي الساحة الوحيدة تقريباً التي تلتقي فيها المصالح الأمريكية والإيرانية رغم التنافر العلني، حيث تسعى واشنطن من خلال مبعوثيها إلى فرض "شراكة مشروطة" عنوانها الأول هو تفكيك الفصائل المسلحة الموالية لإيران وحصر السلاح بيد الدولة.
في المقابل، تنظر طهران إلى العراق كعمق استراتيجي لا يمكن التفريط به، خاصة في ظل تزايد العقوبات الدولية عليها عام 2026. هذا التوازن الدقيق يفرض على المرشح لرئاسة الحكومة أن يمتلك قدرة فائقة على المناورة، بحيث يقدم لواشنطن التزامات أمنية واقتصادية تضمن تدفق الدولار والحماية الاستخباراتية ضد بقايا تنظيم داعش، وفي الوقت ذاته يحافظ على علاقات وثيقة مع طهران تضمن استقرار تدفق الطاقة والتعاون التجاري والسياسي، وهي معادلة باتت "مستحيلة" في ظل الاستقطاب الحاد الحالي.
تحدي "حصر السلاح" واستحقاق سبتمبر 2026
من أهم الملفات التي تواجه رئيس الحكومة المرتقب هو ملف "قوات التحالف الدولي" والجدول الزمني لانسحاب القوات الأمريكية المقرر استكماله في سبتمبر 2026. واشنطن تربط بقاء أي شكل من أشكال التعاون الأمني المستقبلي بمدى جدية الحكومة في إدماج أو تفكيك "هيئة الحشد الشعبي" بعيداً عن التأثيرات الخارجية.
العراقيون يدركون أن غياب الغطاء الأمريكي قد يخلق فجوة أمنية تكنولوجية خطيرة، بينما ترى الفصائل الموالية لإيران أن رحيل القوات الأجنبية هو الهدف الأسمى. لذا، فإن الشخصية التي ستحسم رئاسة الحكومة يجب أن تمتلك الجرأة لفتح هذا الملف الحساس دون التسبب في انفجار أمني داخلي، مع مراعاة أن إيران قد تستخدم نفوذها العسكري داخل العراق للرد على أي ضغوط أمريكية قد تستهدف منشآتها النووية أو مصالحها الإقليمية.
الاقتصاد العراقي بين "سياط" العقوبات و"أموال" النفط
بعيداً عن السياسة والأمن، تفرض الأزمة الاقتصادية نفسها كعامل ضغط أساسي على حسم هوية رئيس الحكومة. العراق الذي يعتمد بشكل كلي على إيرادات النفط، يجد نفسه مهدداً بعقوبات ثانوية إذا لم يلتزم بالمعايير المالية الدولية التي تفرضها وزارة الخزانة الأمريكية لمراقبة حركة التحويلات المالية. المواطن العراقي الذي عانى من تضخم الأسعار وتذبذب سعر صرف الدينار يبحث عن حكومة "خدمات" لا حكومة "شعارات".
وهنا تبرز حظوظ الشخصيات التكنوقراطية أو تلك التي أثبتت نجاحاً في ملف الإعمار، مثل رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني الذي يحاول تقديم نفسه كمرشح استقرار وتنمية، بعيداً عن صخب المواجهات السياسية الكبرى، مراهناً على شعبيته في إعادة تأهيل البنية التحتية.
سيناريوهات الحسم.. هل ينجح العراق في تجنب الصدام؟
بناءً على المعطيات الميدانية في فبراير 2026، يتأرجح العراق بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ الأول هو التوافق على "شخصية تسوية" تحظى بمباركة صامتة من واشنطن وطهران، وهو السيناريو الأرجح تاريخياً للحفاظ على الستاتيكو القائم. السيناريو الثاني هو إصرار أحد المحاور على فرض مرشحه، مما قد يدفع البلاد نحو العزلة الدولية أو الاضطرابات الأمنية.
أما السيناريو الثالث فهو استمرار حكومة "تصريف أعمال" لفترة طويلة، مما يزيد من معاناة المواطن العراقي ويعمق حالة الفشل المؤسساتي.
إن نجاح العراق في حسم رئاسة الحكومة عام 2026 سيعتمد بالدرجة الأولى على مدى نضج القوى السياسية في إدراك أن بغداد لا يمكن أن تكون تابعة لأحد، بل يجب أن تظل الجسر الذي يمنع انفجار المنطقة برمتها.








