منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، تحوّل الأردن إلى محور دبلوماسي نشط في الإقليم، مستثمرًا موقعه الجغرافي وحضوره السياسي وصلاته المتشعبة مع الأطراف المتصارعة. فقد كثّفت عمّان اتصالاتها مع عواصم عربية وأوروبية، كما استقبلت وفودًا أمريكية رفيعة، في محاولة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي في منطقة تعيش على وقع واحدة من أعنف جولات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن الديوان الملكي الأردني، فإن التحركات الأردنية ركّزت على وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية، ومنع تهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية. غير أن القراءة الأعمق لهذه التحركات تكشف أن الأردن لا يتحرك فقط بدافع إنساني أو تضامني، بل من منطلق استراتيجي مرتبط بأمنه الوطني وتركيبته الديموغرافية، في ظل مخاوف حقيقية من مشاريع "الوطن البديل" التي تعود إلى الواجهة كلما اشتدت الأزمات.
الأردن وهاجس ما بعد الحرب
المرحلة التي تلي الحرب على غزة لا تقل خطورة عن الحرب ذاتها، إذ تتزاحم فيها التصورات الدولية حول شكل الإدارة السياسية والأمنية للقطاع، ومستقبل السلطة الفلسطينية، وإمكانية فرض ترتيبات إقليمية جديدة. هنا يظهر الأردن كفاعل لا يمكن تجاوزه، بحكم وصايته التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وبحكم علاقته المباشرة بالضفة الغربية.
تشير تقارير صادرة عن مراكز أبحاث غربية إلى أن بعض الدوائر في واشنطن تدرس صيغًا انتقالية لإدارة غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية، تتراوح بين إشراف عربي – دولي مشترك، أو إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية بدعم إقليمي. وفي هذا السياق، يبدو أن عمّان تسعى إلى منع أي ترتيبات قد تهمّش الدور الفلسطيني أو تفرض حلولًا قسرية، خصوصًا تلك التي قد تفتح الباب أمام تهجير صامت أو إعادة هندسة ديموغرافية تخدم الرؤية الإسرائيلية.
العلاقة مع أمريكا
العلاقة الأردنية – الأمريكية تمثل ركيزة أساسية في الحسابات السياسية لعمان، خصوصًا أن أمريكا تعد الداعم العسكري والاقتصادي الأكبر للأردن. ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بصفته الرئيس الحالي منذ 2024، تتزايد التعقيدات، نظرًا لسجل إدارته السابقة في دعم السياسات الإسرائيلية، بدءًا من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وصولًا إلى ما عُرف بـ"صفقة القرن".
ورغم ذلك، تحافظ عمّان على قنوات اتصال مفتوحة مع واشنطن، مستفيدة من موقعها كشريك أمني موثوق في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. غير أن هذا التنسيق لا يلغي وجود تباينات عميقة، خاصة فيما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، حيث يصر الأردن رسميًا على حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود يونيو 1967، باعتباره الضمانة الوحيدة لاستقرار طويل الأمد.
تفكيك الرواية الإسرائيلية
في خضم الحرب على غزة، برز الدور الأردني أيضًا في المحافل الدولية لتفنيد الرواية الإسرائيلية التي سعت إلى تبرير العمليات العسكرية باعتبارها "دفاعًا عن النفس". فقد شددت عمّان، في خطاباتها أمام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، على أن ما يجري يتجاوز نطاق الرد العسكري إلى استهداف واسع للبنية المدنية في القطاع، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومخيمات اللاجئين.
ومنذ أكتوبر 2023، وثّقت منظمات حقوقية دولية آلاف الضحايا المدنيين في غزة، غالبيتهم من النساء والأطفال، وسط دعم سياسي وعسكري أمريكي واضح لإسرائيل، سواء عبر تزويدها بالأسلحة أو عبر استخدام حق النقض في مجلس الأمن لتعطيل قرارات وقف إطلاق النار. هذا الواقع عزز من لهجة الأردن الناقدة، وإن ظلت ضمن حدود الدبلوماسية المحسوبة التي تراعي توازناته الدقيقة.
تحديات داخلية
لا تنفصل التحركات الخارجية عن الحسابات الداخلية، إذ يواجه الأردن ضغوطًا اقتصادية مزمنة، واحتقانًا شعبيًا متصاعدًا بسبب مشاهد المجازر في غزة. وقد شهدت مدن أردنية عدة تظاهرات تطالب بقطع العلاقات مع إسرائيل وإلغاء اتفاقية وادي عربة، ما يضع صانع القرار أمام معادلة معقدة بين الالتزامات الدولية والمزاج الشعبي.
في الوقت ذاته، يدرك الأردن أن أي انفجار أمني في الضفة الغربية سينعكس مباشرة على حدوده، ما يدفعه إلى التحرك استباقيًا لتثبيت تهدئة سياسية تمنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة. ومن هنا يمكن فهم الحراك الأردني بوصفه محاولة مزدوجة: حماية الداخل من ارتدادات الحرب، ومنع الخارج من فرض ترتيبات تتجاوز المصالح الأردنية والفلسطينية معًا.
معادلة الوساطة الصعبة
الدور الوسيط الذي يسعى الأردن إلى ترسيخه في مرحلة ما بعد الحرب ليس مهمة سهلة، في ظل تباين المصالح بين إسرائيل، والسلطة الفلسطينية، والفصائل في غزة، فضلًا عن الانقسام العربي والتجاذبات الدولية. ومع ذلك، يراهن الأردن على رصيده التاريخي وعلاقاته المتوازنة ليكون جزءًا من أي صيغة سياسية قادمة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الأردن تحويل حراكه الدبلوماسي إلى نفوذ فعلي في رسم ملامح ما بعد الحرب، أم أن موازين القوى الدولية، وعلى رأسها الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، ستحد من قدرته على التأثير؟ الإجابة ستتوقف على مسار الحرب نفسها، وعلى قدرة عمّان على المناورة بين الضغوط دون أن تخسر موقعها كصوت عربي يحاول، في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة، أن يمنع الأسوأ.










