شهدت العاصمة الألمانية برلين، مساء الاثنين، موقفاً تاريخياً وأخلاقياً لافتاً في أروقة مهرجان "السينما من أجل السلام"، الذي يقام سنوياً على هامش مهرجان برلين السينمائي الدولي، حيث أعلنت المخرجة التونسية العالمية كوثر بن هنية رفضها استلام جائزة "أكثر فيلم قيمةً" عن فيلمها الوثائقي "صوت هند رجب".
وجاء هذا الموقف الاحتجاجي القوي رداً على محاولة منظمي الحدث إحداث حالة من "التوازن الزائف" عبر تكريم جنرال إسرائيلي سابق في نفس الأمسية، وهو ما اعتبرته بن هنية محاولة بائسة لمساواة الضحية بالجلاد وتغطية جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة بغطاء فني وثقافي مهذب.
وأمام حشد من الشخصيات السياسية والفنية العالمية، تصدرتهم وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون والممثل كيفن سبيسي، ألقت بن هنية خطاباً زلزل قاعة الاحتفال، مؤكدة أن السينما لا يمكن أن تكون أداة لتبييض صور القتلة أو تجميل الواقع الدموي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحت آلة الحرب الإسرائيلية.
وأوضحت بن هنية في كلمتها المؤثرة أن فيلم "صوت هند رجب" لا يهدف فقط لتخليد ذكرى طفلة فلسطينية قتلت بدم بارد، بل يسلط الضوء على "نظام كامل" جعل من قتل الأطفال أمراً ممكناً ومبرراً تحت غطاء سياسي دولي.
وأشارت إلى أن ما تعرضت له الطفلة هند ليس مجرد حادثة استثنائية أو خطأ عسكري، بل هو جزء أصيل من جريمة إبادة جماعية ممنهجة تجري فصولها اليوم أمام مرأى ومسمع من العالم.
وانتقدت بن هنية بشدة الدول والمؤسسات التي تقدم الغطاء السياسي لهذا القتل عبر إعادة تأطيره بوصفه "دفاعاً عن النفس" أو "ظروفاً معقدة"، معتبرة أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق بالكلمات المعسولة أو الروائح العطرية التي تُرش فوق العنف لتشعر السلطات بالرقي والراحة، بل يبدأ فقط من خلال تحقيق العدالة الناجزة ومساءلة القتلة عن أفعالهم.
المساءلة قبل السلام
إن قرار المخرجة التونسية بترك الجائزة على خشبة المسرح وعدم أخذها إلى بيتها يمثل رسالة سياسية بليغة لصناع القرار والمجتمع الفني الدولي، مفادها أن الجوائز تفقد قيمتها عندما تُمنح في بيئة تتجاهل دماء الأبرياء وتكرم من تلطخت أيديهم بالدماء.
وشددت بن هنية في خطابها على أن الجيش الإسرائيلي لم يقتل هند رجب وعائلتها فحسب، بل قتل أيضاً المسعفين اللذين حاولا إنقاذها، وذلك بتواطؤ مباشر من أقوى حكومات العالم التي ترفض الاعتراف بهذه الجرائم كجزء من سياق الإبادة الجماعية.
وأكدت أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو التزام قانوني وأخلاقي متجذر في المساءلة، مشيرة إلى أنها لن تقبل الجائزة إلا عندما يصبح السلام حقيقة قائمة على أسس العدل وليس على أساس تهميش الضحايا وتحويل مأساتهم إلى خلفية لخطاب سياسي مهذب لا يغير من الواقع شيئاً.
وتفاعل الحضور مع كلمات بن هنية بمزيج من التصفيق المتردد والصدمة، خاصة وأن خطابها جاء في لحظة يسعى فيها المهرجان للترويج لرواية إسرائيلية موازية عبر تكريم الجنرال نوعام تيبون، الذي صُور في وثائقي كندي كـ "منقذ لعائلته".
هذا التناقض الصارخ بين تكريم طفلة ضحية وجنرال محتل هو ما فجر الموقف، حيث رأت بن هنية أن القبول بالجائزة في هذا السياق يعني المشاركة في عملية "التبييض بالصور" التي ترفضها السينما الحقيقية الملتزمة بقضايا الإنسان.
وقد نجحت المخرجة التونسية في تحويل منصة التكريم إلى منبر للمرافعة الدولية عن حقوق الشعب الفلسطيني، معيدة التأكيد على أن الفن الحقيقي هو الذي يرفض المهادنة ويقف في وجه البنى القمعية التي تستهدف المدنيين وتحرمهم من حقهم في الحياة والأمان والعدالة.
إرث هند رجب السينمائي
لقد أعاد موقف كوثر بن هنية الاعتبار لقصة الطفلة هند رجب، التي أصبحت أيقونة عالمية للمظلومية الفلسطينية في العدوان الأخير على غزة، حيث استطاع الفيلم أن ينقل صوتها الذي انقطع تحت نيران الدبابات إلى قلب العاصمة الألمانية.
وبرفضها للجائزة، أثبتت بن هنية أن السينما العربية قادرة على اتخاذ مواقف سيادية تتجاوز بريق الشهرة والجوائز، وأن المبدع الحقيقي هو الذي ينحاز للحقيقة المطلقة دون مواربة.
إن ترك الجائزة في برلين "كتذكير" دائم هو فعل مقاوم يتجاوز زمن المهرجان، ليؤكد أن دماء الأطفال والمسعفين لا تسقط بالتقادم، وأن السينما ستظل تطارد القتلة وتفضح المتواطئين مهما حاولوا التخفي وراء شعارات السلام المزيفة التي لا تضمن المساءلة ولا تعيد الحقوق لأصحابها.




