20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

السودان بين نار الداخل وصمت الخارج: حرب تتسع وتهدد الإقليم والبحر الأحمر

تتواصل المواجهات المسلحة في إقليم دارفور ومناطق واسعة من كردفان، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.

بقلم: سماح عثمان
٢٢ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
السودان

السودان

تتواصل المواجهات المسلحة في إقليم دارفور ومناطق واسعة من كردفان، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. فالمعارك لم تعد مجرد اشتباكات متقطعة، بل تحوّلت إلى حرب مفتوحة تستنزف المدن والقرى، وتعيد إنتاج دوائر العنف الأهلي على نحو أكثر قسوة واتساعًا. وبحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، فإن القتال في دارفور تحديدًا اتخذ طابعًا انتقاميًا ذا أبعاد عرقية، وسط اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، من قتل جماعي وحرق قرى وتهجير قسري.

في كردفان، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع خطوط الإمداد العسكري مع الصراعات المحلية، ما يجعل الإقليم ساحة استراتيجية للطرفين. وتشير تقديرات منظمات إنسانية دولية إلى أن مئات الآلاف اضطروا للنزوح خلال الأشهر الماضية فقط، في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية والخدمية. وبينما تتحدث بعض التقارير عن محاولات لوقف إطلاق النار، إلا أن الوقائع الميدانية تكشف هشاشة أي اتفاقات، وتؤكد أن السلاح ما زال اللغة الأعلى صوتًا في المشهد السوداني.

السودان ونزوح بلا ملاذ

أدى تصاعد القتال في دارفور وكردفان إلى موجات نزوح واسعة، تُعد من بين الأكبر في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة. ووفقًا لتقارير صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تجاوز عدد النازحين داخليًا في السودان الملايين، فيما لجأ مئات الآلاف إلى دول الجوار، خاصة تشاد وجنوب السودان ومصر. هذه التحركات السكانية الكثيفة لا تمثل مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل تعكس انهيار منظومة الدولة في مناطق واسعة، وعجزها عن حماية مواطنيها أو تأمين الحد الأدنى من الاستقرار.

اللافت أن كثيرًا من النازحين يعيشون في ظروف قاسية، تفتقر إلى المياه النظيفة والرعاية الطبية والغذاء الكافي، وسط تحذيرات من تفشي الأوبئة وسوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال. وتؤكد تقارير منظمات الإغاثة أن التمويل الدولي للاستجابة الإنسانية لا يزال دون المستوى المطلوب، في ظل تراجع الاهتمام العالمي بالأزمة السودانية مقارنة بصراعات أخرى تحظى بزخم إعلامي وسياسي أكبر. وهكذا يتحول النزوح من إجراء اضطراري مؤقت إلى واقع طويل الأمد يعيد تشكيل الخريطة السكانية والاجتماعية للبلاد.

حرب منسية

رغم ضخامة الكارثة الإنسانية، تبدو الحرب في السودان وكأنها خارج دائرة الضوء الدولي. فالتغطية الإعلامية العالمية تراجعت بشكل ملحوظ، فيما انشغلت القوى الكبرى بملفات أخرى أكثر ارتباطًا بحساباتها الجيوسياسية المباشرة. هذا التراجع في الاهتمام لا يعني أن الحرب هدأت، بل على العكس، فإن استمرارها في الظل يمنح الأطراف المتصارعة هامشًا أوسع للمضي في خيارات عسكرية دون ضغط دولي فعّال.

بحسب تقارير صادرة عن مراكز أبحاث غربية، فإن غياب استراتيجية دولية واضحة للتعامل مع الأزمة أسهم في إطالة أمد الصراع. فالمبادرات الإقليمية والدولية المتعددة لم تنجح في فرض مسار تفاوضي مستدام، كما أن العقوبات المفروضة على بعض الأطراف لم تُحدث تحولًا حاسمًا في موازين القوى. وبهذا المعنى، تتحول الحرب إلى أزمة مزمنة، تستنزف السودان بصمت، بينما تتآكل مؤسساته ويتعمق الانقسام المجتمعي.

تهديد الإقليم

لا تقف تداعيات الحرب عند حدود السودان الجغرافية، بل تمتد إلى الإقليم بأسره. فالتدفقات البشرية نحو دول الجوار تضع ضغوطًا اقتصادية وأمنية متزايدة على هذه الدول، في وقت تعاني فيه أصلًا من أزمات داخلية. كما أن انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة يثير مخاوف من تسربه إلى مناطق نزاع مجاورة، بما يعيد تنشيط بؤر توتر قديمة أو يخلق أخرى جديدة.

إلى جانب ذلك، يثير استمرار الفوضى في السودان مخاوف من تحوّل بعض مناطقه إلى ساحات نفوذ لقوى إقليمية أو شبكات تهريب عابرة للحدود، سواء في ما يتعلق بالسلاح أو البشر أو الموارد الطبيعية. وتشير تقارير دولية إلى أن غياب سلطة مركزية قوية يفتح المجال أمام فاعلين غير دولتيين لتعزيز حضورهم، ما قد يعيد رسم خرائط التحالفات والصراعات في القرن الإفريقي ومنطقة الساحل.

البحر الأحمر في مرمى القلق

يمتلك السودان موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية. ومع تصاعد الفوضى الداخلية، تتزايد المخاوف من تأثير عدم الاستقرار على أمن هذا الشريان الحيوي. فالسواحل السودانية الطويلة، في ظل ضعف الرقابة، قد تصبح عرضة لأنشطة غير مشروعة، أو ساحة تنافس بين قوى دولية تسعى إلى تعزيز وجودها البحري.

بحسب تقارير مراكز دراسات استراتيجية، فإن أي اضطراب طويل الأمد في السودان قد يعيد تشكيل معادلة الأمن في البحر الأحمر، خاصة في ظل التوترات القائمة أصلًا في المنطقة. وإذا ما استمرت الحرب دون أفق سياسي واضح، فإن انعكاساتها لن تظل محصورة داخل الحدود السودانية، بل قد تمتد إلى حركة الملاحة الدولية، وإلى حسابات الأمن القومي لدول مطلة على هذا البحر الحيوي. وهكذا، تتحول الحرب المنسية إلى عامل ضغط إقليمي يتجاوز بكثير حدود الخرطوم ودارفور وكردفان، ليطرح سؤالًا مفتوحًا حول مستقبل الاستقرار في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال