قال ليون سيوفي الباحث السياسي اللبناني أن لبنان يمر بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في مشهد يعكس عمق هشاشة الدولة وتآكل قدرتها على الصمود. خلال فترة وجيزة، توالت مؤشرات مقلقة: إعادة تموضع جزئي لموظفي السفارة الأميركية بقرار من وزارة الخارجية الأمريكية، استمرار الخروقات الإسرائيلية جنوباً، إضراب موظفي الإدارة العامة، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية على وقع الغلاء وتدهور القدرة الشرائية. هذه الوقائع لا يمكن قراءتها كأحداث منفصلة، بل كعناصر مترابطة ضمن مرحلة إنذار مبكر مرتفعة الخطورة.
وأضاف سيوفي لـ"180 تحقيقات"على المستوى الأمني، لا يُعدّ قرار واشنطن إجراءً روتينياً. فإعادة تموضع الطواقم الدبلوماسية غالباً ما تستند إلى تقييمات ميدانية تستشعر احتمالات تصعيد، حتى وإن لم تكن وشيكة. الرسالة هنا سياسية وأمنية في آن: المجتمع الدولي يرى في الداخل اللبناني بيئة قابلة للاهتزاز السريع.
لبنان تحت القصف الإسرائيلي
وأكد في تصريحاته ، في المقابل، تواصل إسرائيل خروقاتها الجوية والبرية والبحرية في سياق الاشتباك المفتوح مع حزب الله. صحيح أن ميزان الردع لا يزال مضبوطاً ضمن قواعد اشتباك محسوبة، إلا أن هذا التوازن هشّ بطبيعته، وقابل للكسر في حال تغيّرت المعادلات الإقليمية أو وقع خطأ في الحسابات. لبنان اليوم لا يحتمل مغامرات، لأن أي مواجهة أوسع ستقع على أرض منهكة اقتصادياً ومؤسساتياً.داخلياً، تكمن الخطورة في التآكل البنيوي لقدرة الدولة على الضبط والإدارة. إضراب موظفي القطاع العام ليس مطلباً فئوياً فحسب، بل مؤشر على دخول مؤسسات الدولة مرحلة الشلل الفعلي. تعطّل الإدارات يعني تراجع الجباية، تجميد المعاملات، ضعف الرقابة، وتعميق الفوضى المالية. وعندما تعجز الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، تتحول الأزمة من أزمة سياسات إلى أزمة كيان.
لبنان والانهيار الاقتصادي والاجتماعي
اقتصادياً، يتغذّى القلق الأمني من الانهيار الاجتماعي، والعكس صحيح. تراجع الثقة يدفع نحو مزيد من الدولرة، ويضغط على سعر الصرف، ويعمّق التضخم. الاحتجاجات الشعبية تعبّر عن وجع حقيقي، لكنها في بيئة هشة قد تتحول إلى عنصر عدم استقرار إضافي إذا لم تُقابل بإجراءات إنقاذية واضحة وشفافة.
وقال ليون سيوفي أن المشكلة اليوم ليست في حدث بعينه، بل في تراكم الضغوط ضمن نظام ضعيف المناعة. لبنان لا يقف بعد على حافة الانفجار الشامل، لكنه يتحرك داخل منطقة خطر مرتفع، حيث يصبح هامش الخطأ ضيقاً للغاية. في ظل هذا الواقع، لا يكفي الرهان على توازن الردع جنوباً أو على الوقت كعامل تبريد. المطلوب قرار وطني يعيد انتظام المؤسسات، ويضع مساراً إصلاحياً جدياً، ويستعيد الحد الأدنى من الثقة الداخلية والخارجية.
الخلاصة أن لبنان يعيش مرحلة تراكم أزمات، وهي أخطر مراحل الدول. وإذا لم يُكسر هذا المسار بخطوات جريئة ومسؤولة، فإن أي شرارة – أكانت أمنية أم مالية أم اجتماعية – قد تتحول إلى لحظة انفجار لا تُحمد عقباها.








