في خطوة دبلوماسية استراتيجية تهدف إلى كسر الجمود الطويل وتجنب سيناريوهات المواجهة العسكرية في المنطقة، قدمت إيران، عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي، مقترحاً رسمياً وشاملاً للجانب الأمريكي خلال جولة المفاوضات غير المباشرة المنعقدة حالياً في مدينة جنيف السويسرية.
يتضمن هذا المقترح عرضاً تفصيلياً لوجهة نظر طهران بشأن المسائل النووية العالقة وآليات رفع العقوبات الاقتصادية التي أرهقت كاهل الدولة لسنوات، حيث يهدف العرض بالدرجة الأولى إلى معالجة كافة المخاوف التي تبديها الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتقديم ضمانات تقنية وقانونية تبدد جميع الذرائع الأمريكية المتعلقة بطبيعة الأنشطة النووية، مؤكدة على طابعها السلمي والمدني البحت بما يتوافق مع المعايير الدولية والرقابة الصارمة.
وقد وصفت الدوائر الدبلوماسية الإيرانية هذا المقترح، الذي يتولى نقله وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى الوفد الأمريكي، بأنه يمثل "اختباراً عملياً" وحقيقياً لمدى التزام إدارة واشنطن بالخيار الدبلوماسي كسبيل وحيد لحل الأزمات الدولية.
ويأتي هذا التحرك في مستهل الجولة الثالثة من المفاوضات التي تجمع الطرفين في بيئة تتسم بالتعقيد السياسي، حيث تسعى طهران من خلال هذه الورقة إلى وضع النقاط على الحروف وإثبات جديتها في الوصول إلى اتفاق مستدام يحقق تطلعاتها في التنمية الاقتصادية ويزيل العقبات التي تعترض مسار انخراطها في المنظومة المالية العالمية، معتبرة أن الكرة الآن باتت في الملعب الأمريكي لاتخاذ قرار تاريخي ينهي حالة التوتر المستمرة.
الوساطة العمانية الفاعلة
تؤدي سلطنة عمان دوراً محورياً وتاريخياً في تيسير هذه المشاركة الدبلوماسية، حيث شهدت جنيف لقاءات مكثفة بين عباس عراقجي ونظيره العماني بدر البوسعيدي، تركزت على بحث سبل دفع المفاوضات قدماً وضمان عدم انهيارها تحت وطأة الضغوط السياسية الخارجية.
وقد أعرب عراقجي خلال هذه اللقاءات عن تقدير بلاده العميق للجهود العمانية المستمرة في دعم عملية التفاوض، مشدداً في الوقت ذاته على أن نجاح هذه الجولة يعتمد بشكل كلي على مدى جدية الطرف الآخر، وضرورة تجنب واشنطن لأي تصريحات إعلامية أو تصرفات سياسية متناقضة قد تؤدي إلى تقويض مناخ الثقة الهش الذي يحاول الوسطاء بناءه، مؤكداً أن الموقف الإيراني واضح وثابت ويستند إلى مبادئ السيادة الوطنية والحقوق النووية المشروعة.
من جانبه، أشاد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي بالنهج الدبلوماسي الرصين الذي تتبعه إيران في معالجة هذه القضية المعقدة، مجدداً التأكيد على استعداد مسقط لمواصلة مساعيها الحميدة وتقديم كافة أشكال المساعدة التقنية والسياسية لتذليل العقبات أمام المتفاوضين.
وأبدى البوسعيدي تفاؤلاً حذراً بأن تسفر هذه الجولة عن نتائج مقبولة للطرفين إذا ما توفر الالتزام المتبادل والجدية في التنفيذ، مشيراً إلى أن المنطقة بحاجة ماسة إلى هذا الاتفاق لتعزيز الاستقرار الإقليمي. وفي المقابل، حذرت طهران بوضوح من أن عدم قبول البيت الأبيض للمقترح الحالي سيفسر على أنه تأكيد لشكوكها السابقة حول غياب الإرادة الأمريكية الحقيقية، وأن التحركات الدبلوماسية لواشنطن ليست سوى "استعراض سياسي" يفتقر إلى المضمون الفعلي.
معايير النجاح والضمانات
تتركز النقاشات الدائرة حالياً خلف الأبواب المغلقة في جنيف على مواقف إيران التفصيلية بشأن القضايا النووية الفنية، وبالتحديد مستويات تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة الدولية، بالتوازي مع جداول زمنية واضحة لرفع العقوبات الاقتصادية والمالية.
ويرى المراقبون أن المقترح الإيراني الجديد قد صِيغ بطريقة تكتيكية تحاكي تطلعات الأطراف الدولية المعنية بالحد من الانتشار النووي، مع الحفاظ على الخطوط الحمراء التي رسمتها القيادة الإيرانية.
إن الهدف من هذا العرض هو سحب البساط من تحت أقدام المطالبين بالخيار العسكري، عبر تقديم حلول دبلوماسية قابلة للتطبيق على أرض الواقع وتضمن لجميع الأطراف الخروج بصورة "المنتصر" في هذا النزاع الطويل الذي تجاوز العقدين من الزمان.
وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي يحاول الوسيط العماني إشاعتها، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، خاصة في ظل المراقبة اللصيقة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية والضغوط التي تمارسها قوى إقليمية ودولية تخشى من تداعيات أي تقارب إيراني أمريكي مفاجئ.
وتؤكد وكالات الأنباء الإيرانية أن الوفد المفاوض يمتلك صلاحيات واسعة للمناورة شريطة تحقيق رفع شامل وعادل للعقوبات، مما يجعل من الجولة الحالية في جنيف نقطة تحول مفصلية؛ فإما أن تؤدي إلى انفراجة كبرى تعيد تشكيل العلاقات الدولية في الشرق الأوسط، أو أن تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد والجمود الذي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
آفاق المستقبل الدبلوماسي
إن المستقبل الدبلوماسي للملف النووي الإيراني بات الآن مرتبطاً بشكل وثيق برد الفعل الأمريكي على مقترح عراقجي في جنيف، حيث يرى المراقبون أن الإدارة الأمريكية الحالية أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما المضي قدماً في مسار دبلوماسي يتطلب تقديم تنازلات مؤلمة في ملف العقوبات، أو الاستمرار في سياسة الضغط الأقصى التي أثبتت فشلها في ثني طهران عن تطوير قدراتها التكنولوجية.
وفي كلا الحالتين، تظل سلطنة عمان هي الرابط الوحيد الذي يمنع انقطاع شعرة معاوية بين الخصمين اللدودين، مستندة إلى إرث من الثقة المتبادلة التي بنيت على مدار عقود من الوساطات الناجحة في ملفات شائكة وصعبة للغاية.
تبقى العيون شاخصة نحو ما ستسفر عنه الساعات القادمة في جنيف، حيث ينتظر الجميع رد الوفد الأمريكي على المبادرة الإيرانية.
إن نجاح هذه الجولة لن يعني فقط حل أزمة نووية، بل سيمهد الطريق أمام تفاهمات إقليمية أوسع تشمل ملفات الأمن والتعاون الاقتصادي في منطقة الخليج العربي، إنها لحظة الحقيقة للدبلوماسية الدولية، حيث يتم اختبار قدرة الأطراف على استبدال لغة التهديد والوعيد بلغة الحوار والمصالح المشتركة، في محاولة أخيرة لإنقاذ المنطقة من أتون صراع لا يبقي ولا يذر، وهو ما تأمل طهران ومسقط في تحقيقه عبر هذا المقترح الطموح والشامل.










