21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

بين "التجميد المحدود" و"التفكيك الدائم".. هل تنجح جولة جنيف في تجنب الانفجار؟

كشف مسؤول إيراني رفيع المستوى في تصريحات لشبكة "الجزيرة" عن تفاصيل المقترح الذي قدمته طهران للجانب الأمريكي

بقلم: محمد خميس
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
22 مشاهدة
التصعيد الأمريكي الإيراني

التصعيد الأمريكي الإيراني

في تطور دراماتيكي لمسار المحادثات غير المباشرة المنعقدة في جنيف، كشف مسؤول إيراني رفيع المستوى في تصريحات لشبكة "الجزيرة" عن تفاصيل المقترح الذي قدمته طهران للجانب الأمريكي، واصفاً إياه بأنه مقترح "جاد سياسياً وخلاق فنياً" ويتضمن كافة العناصر المطلوبة للوصول إلى اتفاق فوري.

 وأوضح المسؤول أن المبادرة الإيرانية تركز بشكل أساسي على رفع العقوبات الاقتصادية الشاملة ومعالجة بواعث القلق الأمريكية عبر مسارات فنية وعملية تثبت بالدليل القاطع عدم رغبة طهران في امتلاك سلاح نووي. 

وتضمن المقترح عرضاً لخفض مخزون اليورانيوم إلى درجات تخصيب متدنية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع تعزيز الشفافية المطلقة، مقابل الاعتراف بحق إيران السيادي في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية.

وعلى الرغم من المرونة التي أبدتها طهران عبر عرض "تجميد مؤقت" للتخصيب لفترة زمنية محدودة كبادرة حسن نية، إلا أن المسؤول الإيراني شدد على وجود خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، حيث أكد رفض بلاده القاطع لمبدأ "تصفير التخصيب للأبد" أو تفكيك المنشآت النووية القائمة، وكذا رفض نقل مخزون اليورانيوم إلى خارج البلاد.

 كما حسم المسؤول الجدل حول الملفات العسكرية الموازية، مؤكداً أن مقترح جنيف لا يتضمن أي أفكار أو تنازلات بخصوص المنظومات الصاروخية وبرامج الدفاع الإيرانية، معتبراً إياها شأناً سيادياً خارج طاولة النقاش النووي، ومركزاً في الوقت ذاته على ضرورة تحقيق مصالح اقتصادية متبادلة تضمن استدامة أي اتفاق مستقبلي.

شروط واشنطن وسقف مطالب ترمب

في المقابل، نقلت وسائل إعلام أمريكية كبرى مثل "فوكس نيوز" و"سي إن إن" عن مسؤولين ومصادر مطلعة، أن الوفد الأمريكي المفاوض بقيادة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يتبنى سقفاً مرتفعاً من المطالب التي تتماشى مع رؤية الرئيس ترامب. 

وأفادت المصادر بأن المفاوضين الأمريكيين أصروا خلال جلسات جنيف على تقييد صارم لتخصيب اليورانيوم الإيراني، وطالبوا بضرورة تفكيك المنشآت النووية الرئيسية التي تثير ريبة واشنطن. 

وتجاوزت المطالب الأمريكية فكرة التجميد المؤقت، حيث أكد الوفد أن أي اتفاق لوقف التخصيب يجب أن يكون "لأبد الآبدين" وليس لفترة محددة، مع اشتراط وجود آليات تحقق وتفتيش طويلة الأمد لضمان عدم إحياء البرنامج النووي سراً في المستقبل.

ووفقاً لشبكة "سي إن إن"، فإن المحادثات ركزت بشكل مكثف على محاولة سد الفجوات العميقة المتعلقة بنسب التخصيب وكميات المخزون، مع محاولة تحديد ما إذا كان المقترح الإيراني "الخلاق" يلبي الحد الأدنى من مطالب ترمب الصارمة. ولا يزال المسؤولون الأمريكيون يعبرون عن عدم تأكدهم من موقف إيران النهائي بشأن عدد من القضايا الجوهرية، خاصة في ظل التناقض بين عرض التجميد المؤقت والمطالبة بالحق السيادي في التخصيب. 

هذا التباين في المواقف يعكس حجم الفجوة بين "الدبلوماسية الفنية" التي تقترحها طهران و"الشروط الهيكلية" التي تفرضها واشنطن، مما يجعل جولة جنيف ساحة لاختبار القدرة على اجتراح حلول وسطى وسط أجواء من عدم الثقة المتبادلة.

مستقبل الاتفاق بين الفنية والسياسية

إن المشهد في جنيف يشير إلى أننا أمام مفاوضات "صفرية" في بعض جوانبها، حيث ترفض طهران تفكيك ما تعتبره إنجازاً تكنولوجياً وطنياً، بينما ترى واشنطن أن بقاء البنية التحتية النووية الإيرانية يمثل تهديداً دائماً لا يمكن قبوله. 

ومع ذلك، فإن التركيز على "البعد الاقتصادي" والمصالح المشتركة في المقترح الإيراني قد يمثل نافذة صغيرة للعبور، إذا ما وافقت إدارة ترمب على مقايضة القيود الفنية المشددة والشفافية العالية برفع جزئي أو متدرج للعقوبات. المبادرة الإيرانية التي وُصفت بأنها تتضمن "كل ما هو مطلوب لاتفاق فوراً" تضع الإدارة الأمريكية أمام خيار صعب: إما قبول حلول فنية تضمن الرقابة اللصيقة، أو التمسك بمطالب التفكيك الكلي التي قد تؤدي إلى انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل.

تبقى الساعات القادمة في جنيف حاسمة لتحديد ما إذا كانت هذه الجولة ستنتهي ببيان تفاهم أولي أو بالعودة إلى مربع التصعيد. فالمقترح الإيراني الذي يوازن بين السيادة والشفافية يصطدم برؤية أمريكية تريد ضمانات "أبدية" وإغلاقاً كاملاً للملف النووي. 

وبين "التجميد المحدود" و"التفكيك الدائم"، يترقب العالم نتائج هذا الماراثون الدبلوماسي الذي لا يحمل فقط مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل يرسم ملامح الاستقرار أو الانفجار في منطقة الشرق الأوسط برمتها تحت ظلال إدارة أمريكية لا تقبل بأقل من "صفقة القرن" في كل الملفات.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال