في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، يكسر دوي الانفجارات في طهران وتل أبيب وعواصم المنطقة قواعد "حرب الظل" التقليدية، ليدشن صداماً عسكرياً مباشراً يعيد صياغة الجغرافيا السياسية للنفوذ والقوة.
لم تعد العمليات الجراحية المحدودة هي سيدة الموقف، بل نحن أمام حملة "ملحمة الغضب" التي تستهدف قلب النظام الإيراني وبنيته السيادية، وسط ردود فعل إقليمية متفجرة تضع أمن الطاقة واستقرار المنطقة على فوهة بركان. فهل بدأت فعلياً عملية "تغيير الخارطة" وهدم التوازنات القديمة لصالح نظام إقليمي جديد؟!
ما تشهده المنطقة، هو أن الأحداث باتت متسارعة بشكل دراماتيكي اليوم، السبت 28 فبراير 2026، حيث انتقلت المواجهة من "حرب الظل" إلى صدام عسكري مباشر وواسع النطاق.
بناءً على المعطيات الميدانية والتصريحات الرسمية الصادرة حتى هذه اللحظة، لا يبدو أننا أمام عملية "محدودة" بالمعنى التقليدي، بل أمام عملية عسكرية واسعة ومفتوحة قد تمتد لأسابيع.
وعليه، فلا بد من قراءة المشهد، وتحليل طبيعة هذه الضربات، وتتبع مسارها وفقاً لآخر المستجدات:
1. حجم وأهداف العملية (أبعد من مجرد ضربة جراحية)
تجاوزت الضربات الحالية الأهداف النووية لتشمل "قلب النظام" والبنية التحتية العسكرية الشاملة: استهداف مراكز السيادة: شملت الغارات منطقة "حي باستور" في طهران، حيث تقع مقرات المرشد الأعلى ورئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى منازل وزراء وقادة عسكريين.
نطاق جغرافي واسع: الانفجارات هزت مدن طهران، تبريز، أصفهان، قم، كرج، كرمانشاه، وميناء بوشهر، مما يشير إلى حملة جوية شاملة تستهدف شلّ القدرات الإيرانية على مستوى البلاد.
الرد الإيراني الموسع: قامت إيران بتوجيه ضربات صاروخية وبالطائرات المسيرة شملت نطاق واسع في الكيان الإسرائيلي، ومن جهة أخرى توسعت ردودها لتشمل السعودية والبحرين وقطر والإمارات والكويت والاردن، وتأتي كحصيلة للرد الأولي على سماح هذه الدول للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها وجمالها الجوي، ومساهمتها في اعتراض الصواريخ الإيرانية الموجهة إلى القواعد الأمريكية وإلى دولة الكيان الإسرائيلي.
العملية المشتركة: لأول مرة، يشارك الطيران الأمريكي والإسرائيلي بشكل علني ومكثف في عملية أطلق عليها تسميات مثل "الأسد الزائر" (Roaring Lion) و*"ملحمة الغضب" (Epic Fury)*.
2. التصريحات الرسمية: "عمليات مستمرة"
المؤشرات من واشنطن وتل أبيب توحي بأن هذه ليست ضربة "ليلة واحدة":
دونالد ترامب: وصف الرئيس الأمريكي العملية بأنها "عملية قتالية كبرى ومستمرة" (Massive and Ongoing)، تهدف ليس فقط لتدمير البرنامج النووي، بل لإنهاء تهديد الصواريخ الباليستية، بل وألمح إلى هدف "تغيير النظام" بتوجيه رسالة للشعب الإيراني قائلاً "ساعة حريتكم حانت".
يسرائيل كاتس (وزير الدفاع الإسرائيلي): وصف الهجوم بأنه "ضربة استباقية" لإزالة التهديدات، مؤكداً أن الجيش ينفذ "قائمة طويلة" من الأهداف والاغتيالات.
التقارير الاستخباراتية: تشير تسريبات من مسؤولين أمريكيين (عبر رويترز ونيويورك تايمز) إلى أن الجيش الأمريكي استعد لـ أسابيع من العمليات المتواصلة، وليس مجرد ضربة خاطفة.
3. سيناريو "حرب الـ 12 يوماً" الثانية
تأتي هذه الضربات لاستكمال ما وُصف بـ "أهداف حرب الـ 12 يوماً" (التي حدثت في يونيو 2025)، لكن بحدة أكبر وتنسيق أعمق. الجيش الإسرائيلي أعلن صراحة أنه بصدد تنفيذ "عملية عسكرية واسعة"، مما يرجح فرضية الحرب المحدودة زمنياً ولكن الكثيفة جداً في أهدافها (High-intensity conflict)، والتي قد تتحول إلى حرب إقليمية طويلة إذا قررت إيران الرد بشكل شامل عبر أذرعها في المنطقة.
الخاتمـــة:
ما يحدث الآن هو "مواجهة مباشرة كبرى" تهدف إلى تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط بشكل جذري. هي "محدودة" فقط في حال استسلمت طهران للضغوط وتوقفت عن الرد، لكن الاستعدادات الأمريكية والإسرائيلية (نشر حاملات طائرات إضافية مثل USS Gerald R. Ford) توحي بالتحضر لـ صراع طويل الأمد.
وعن شكل الرد الإيراني، إيران لم تعلن "حرباً" على السعودية كدولة، لكنها استهدفت ما تصفه بـ "المصالح والقواعد الأمريكية" الموجودة في المنطقة، وهو ما أدى لوقوع انفجارات (اعتراضات جوية) في سماء الرياض ومدن خليجية أخرى (قطر والإمارات، والبحرين، والكويت، بالإضافة إلى الأردن).
"بين فكي 'ملحمة الغضب' والرد الإيراني الشامل، تقفز تساؤلات مهمة فوق كافة التوقعات، وتغوص لتفنيد مآلات هذه المواجهة الشاملة:
هل نعيش لحظة 'سقوط حافة الهاوية' التي ستؤدي إلى صياغة 'سايكس بيكو عسكري' جديد، أم أن اتساع رقعة الاستهداف لتشمل العمق الخليجي والأردني سيفرض 'توازناً للرعب' يُجبر القوى الكبرى على القبول بإيران كقوة نووية واقعية مقابل وقف الحريق الشامل؟"
وهل استهداف إيران للقواعد الأمريكية في دول الخليج والأردن يضع هذه الدول في قلب "صراع الوجود"؟
ولقراءة واستشراف المآل المنظور هنا نطرح تساؤلاً: هل سيؤدي هذا الضغط إلى تكتل إقليمي عسكري صريح مع واشنطن وتل أبيب (تحالف ناتو شرق أوسطي)، أم سيمارس الوسطاء ضغوطاً هائلة لتبريد الجبهة خوفاً من انهيار إمدادات الطاقة العالمية وتدمير البنية التحتية لدول المنطقة؟!









