قال د. سعيد أبو رحمة الباحث في قضايا الصراع ان الخطاب المنسوب إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ـ للتعليق على الهجمة الأمريكية الإسرائيلية على إيران- يشكل نموذجاً مكثفاً لخطاب الحرب الشاملة الذي يتجاوز حدود التبرير العسكري إلى بناء سردية استراتيجية كاملة تعيد تعريف طبيعة الصراع وأهدافه.
وأضاف في تصريحات ل" ١٨٠ تحقيقات" الخطاب لا يقدّم العملية العسكرية بوصفها إجراءً تكتيكياً محدوداً، بل يصوغها كلحظة تاريخية فاصلة، تندرج ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
ومن خلال هذا البناء، يتحول الفعل العسكري من خيار سياسي قابل للنقاش إلى ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل.
وقدم أبو رحمة قراءة تحليلية، إذ قال، ينطلق الخطاب من تثبيت مفهوم التهديد الوجودي، وهو توصيف بالغ الدلالة في الأدبيات السياسية، إذ ينقل الصراع من مستوى المصالح المتعارضة إلى مستوى البقاء. عندما يُعرَّف الخصم بوصفه خطراً وجودياً، فإن أي تصعيد يصبح مبرراً سلفاً، بل واجباً دفاعياً. بهذه الطريقة، يُعاد تأطير الحرب باعتبارها استجابة حتمية لا مغامرة اختيارية، ما يؤدي إلى تضييق مساحة الجدل الداخلي وتعزيز الاصطفاف خلف القيادة.
وقال الياحث في قضايا الصراع ، لكن الخطاب لا يتوقف عند منطق الدفاع، بل يتجاوزه إلى منطق الفرصة التاريخية. فالتوصيف بأن العملية تمثل لحظة لا تتكرر لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط يكشف عن طموح يتجاوز تحييد قدرات عسكرية بعينها إلى السعي لإعادة هندسة البيئة الإقليمية. وهنا تتسع دائرة الهدف من شل قدرات محددة إلى محاولة إحداث تحول بنيوي في موازين القوى. هذا الانتقال من الدفاع إلى إعادة التشكيل يضفي على الخطاب بعداً استراتيجياً عميقاً، ويضعه في إطار مشروع سياسي طويل الأمد.
ويستطرد في تحليله لخطاب نتنياهو ، في السياق ذاته يبرز عنصر التنسيق الوثيق مع إدارة دونالد ترامب كأداة لتعزيز الشرعية والردع معاً. فمن جهة، يبعث برسالة إلى الداخل بأن التحرك مدعوم من قوة عظمى، ومن جهة أخرى يوجّه إشارة ردعية إلى الخصوم بأن المواجهة ليست منفردة. هذا البعد التحالفي يمنح الخطاب ثقلاً إضافياً، ويحوّل العملية من قرار وطني إلى جزء من اصطفاف دولي أوسع.
غير أن التحول الأبرز في الخطاب يتمثل في انتقاله من المجال العسكري الخارجي إلى المجال السياسي الداخلي للخصم، عبر دعوة الإيرانيين إلى إسقاط نظامهم. هذه النقلة تكشف أن الهدف لا يقتصر على إضعاف قدرات نووية أو صاروخية، بل يمتد إلى محاولة التأثير في البنية السياسية ذاتها. وبهذا المعنى، يجمع الخطاب بين أدوات القوة الصلبة (الضربات العسكرية) وأدوات القوة الناعمة أو النفسية (التحريض السياسي)، في محاولة لإحداث ضغط مزدوج من الخارج والداخل في آن واحد.
ويحلل ابو رحمة ، على المستوى اللغوي يعتمد الخطاب على مفردات ذات حمولة عاطفية وأخلاقية مكثفة: "التهديد الوجودي”، “الفرصة التاريخية”، “طوق النجاة”، “التحرر من الطغيان”. هذه المفردات تؤدي وظيفة تعبئة متعددة الاتجاهات،فهي تخاطب الجمهور المحلي بلغة الأمن القومي، وتخاطب الحلفاء بلغة الاستقرار الإقليمي، وتوجّه رسالة إلى الداخل الإيراني بلغة التحرر السياسي. وبهذا يصبح الخطاب موجهاً إلى ثلاث دوائر متداخلة في وقت واحد، ما يعكس وعياً بطبيعة المعركة بوصفها معركة سرديات بقدر ما هي مواجهة عسكرية.
غير أن اتساع الأهداف المعلنة يضاعف في المقابل حجم المخاطر، فحين يُرفع سقف التوقعات إلى مستوى إعادة رسم الإقليم أو إسقاط نظام، تصبح كلفة التعثر مرتفعة سياسياً واستراتيجيا.
كما أن التدخل العلني في الشأن الداخلي لدولة أخرى قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تعزيز النزعة القومية والالتفاف الداخلي حول السلطة في مواجهة ما يُقدَّم كعدوان خارجي.
ويختتم سعيد أبو رحمة رؤيته ، في المحصلة يمكن النظر إلى الخطاب بوصفه نصاً سياسياً متكاملاً يسعى إلى صناعة لحظة حاسمة وتكريسها في الوعي العام باعتبارها معركة مصيرية لا بديل عنها. إنه خطاب يدمج بين منطق الضرورة الأمنية وطموح إعادة التشكيل الإقليمي، ويستخدم أدوات البلاغة السياسية لتوسيع دائرة الشرعية وتقليص مساحة الاعتراض. وبهذا المعنى فإن أهميته لا تكمن فقط في مضمونه العسكري، بل في قدرته على إعادة تعريف الصراع نفسه، وتحديد سقف التوقعات لما يمكن أن تفضي إليه هذه المواجهة على المدى الطويل.










