قال محمد الشرقاوي باحث بالشؤون الإفريقية، إن التطورات الأخيرة في السودان تعكس انتقال الصراع من كونه أزمة داخلية إلى ملف إقليمي مفتوح على احتمالات معقدة، في ظل تزايد التشابكات الحدودية والإنسانية والأمنية، خاصة مع قرار السلطات التشادية بإغلاق الحدود مع السودان، وهو ما لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً أمنيًا احترازيًا، بل هو مؤشر واضح على تصاعد المخاوف من انتقال الفوضى إلى الإقليم، خاصة مع هشاشة الشريط الحدودي الذي يمتد لأكثر من 1300 كم وارتفاع معدلات النزوح من دارفور.
وأضاف الشرقاوي، في تصريحات لـ 180 تحقيقات، أن هذا القرار ستكون له تداعيات إنسانية مباشرة، إذ سيؤدي إلى تكدس أعداد كبيرة من المدنيين في مناطق تماس تفتقر إلى الخدمات الأساسية، بما يفاقم من الأزمة الغذائية والصحية، مضيفاً أن إغلاق الحدود قد يعيد تشكيل مسارات التهريب وشبكات الإمداد غير الرسمية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الاستقرار المحلي في شرق تشاد وغرب السودان على حد سواء.
وأشار الباحث في الشؤون الأفريقية، إلى أن قصف محيط جامعة كردفان باستخدام طائرات مسيّرة يمثل تطورًا نوعيًا في طبيعة العمليات العسكرية، حيث باتت التكنولوجيا منخفضة التكلفة وعالية التأثير أداة رئيسية في إدارة المعركة، مؤكداً أن انتقال الحرب إلى محيط مؤسسات مدنية وتعليمية يضرب البنية المجتمعية ويعمّق الشعور بانعدام الأمان، ما يضعف فرص إعادة بناء الثقة بين الأطراف.
وفي ما يتعلق بتصريحات رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان حول "المصلحة العليا" ووعد العفو مقابل تسليم السلاح، اعتبر الشرقاوي أن الخطاب يحمل بعدين: داخليًا محاولة لتفكيك الخصم واستقطاب عناصره الأقل ارتباطًا بالقيادة، وخارجيًا رسالة إلى المجتمع الدولي بأن المؤسسة العسكرية منفتحة على تسوية مشروطة.
وشدد على أن أي مبادرة عفو لن تنجح ما لم تقترن بإطار سياسي واضح يضمن دمجًا منظمًا للقوى المسلحة ضمن ترتيبات انتقالية، ويعالج جذور الأزمة المرتبطة بتوزيع السلطة والموارد، فالحرب خلال العامين الماضيين أفرزت اقتصادًا موازيًا ومراكز نفوذ جديدة يصعب تفكيكها بقرارات أحادية.
وأكد الشرقاوي أن فرص التسوية السياسية لا تزال قائمة، لكنها لن تكون شاملة أو سريعة، بل مرجح أن تبدأ بوقف إطلاق نار جزئي في مناطق محددة، يتبعه مسار تفاوضي متعدد المراحل برعاية إقليمية ودولية، كما أن ضغط دول الجوار، وفي مقدمتها تشاد، قد يشكل عامل دفع نحو التهدئة إذا ما جرى توظيفه في إطار دبلوماسي منسق.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن السودان يقف أمام مفترق طرق حاسم: إما الانخراط في عملية سياسية تدريجية تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس توافقية، أو استمرار الصراع بوتيرة منخفضة لكن ممتدة، بما يحول الأزمة إلى بؤرة توتر مزمنة في قلب القرن الإفريقي، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي والبحر الأحمر.





