20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ليون سيوفي لـ"180 تحقيقات": استهداف الخزانات ومصافي النفط بالخليج يدفع العالم إلى دائرة من القلق

قدم د. ليون سيوفي الكاتب والباحث السياسي ، رؤيته حول استهداف  منشآت بحجم منشآت أرامكو السعودية في منطقة رأس تنورة ومصافي النفط في الخليج

بقلم: سماح عثمان
٣ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
54 مشاهدة
مصافي النفط

مصافي النفط

قدم د. ليون سيوفي الكاتب والباحث السياسي ، رؤيته حول استهداف  منشآت بحجم منشآت أرامكو السعودية في منطقة رأس تنورة ومصافي النفط في الخليج، فإن الحدث لا يمكن حصره في إطاره الأمني الضيق، ولا التعامل معه كخبر عابر في نشرات عاجلة. فهذه المنشآت ليست مجرد مرافق صناعية تقليدية، بل تمثل شريانًا حيويًا يتدفق عبره جزء أساسي من الاقتصاد العالمي، وترتبط به توازنات العرض والطلب في أسواق الطاقة من آسيا إلى أوروبا وصولًا إلى أمريكا. وأي مساس بها يتجاوز حدود الدولة المستهدفة ليطال ميزان الطاقة العالمي برمّته، ويزرع القلق في قلب الأسواق الدولية.

وقال سيوفي لـ"180 تحقيقات"،خطورة الأمر لا تنبع فقط من طبيعة الاستهداف، بل من رمزيته كذلك. فعندما تصبح البنية التحتية للطاقة هدفًا مباشرًا، فإن الرسالة لا تُقرأ بوصفها عملًا عسكريًا معزولًا، بل كإشارة سياسية ثقيلة الوطأة، مفادها أن الصراع انتقل من الهوامش إلى الأعصاب الاقتصادية الحساسة. هنا، لا تكون المسألة أمن منشأة بعينها، بل أمن منظومة دولية كاملة تقوم على استقرار تدفق النفط والغاز.

اتساع دائرة الرسائل

وإذا أضفنا إلى ذلك التقارير التي تحدثت عن قصف خزانات نفط في سلطنة عُمان، فإن المشهد يتجاوز فكرة الحادثة الفردية، ليكشف عن ملامح مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة. لم تعد الضربات مجرد ردود فعل متبادلة في ساحات عسكرية تقليدية، بل باتت الرسائل العسكرية تُكتب على جدران الخزانات والمصافي، وفي قلب الموانئ والممرات البحرية التي تشكل العمود الفقري لتجارة الطاقة العالمية.

هذا التحول يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى مختلف، حيث يصبح الاقتصاد نفسه ساحة صراع. فعندما تُستهدف خزانات النفط والمصافي، لا تُقصف منشآت صماء فحسب، بل يُستهدف الاستقرار المالي وأسعار الطاقة وسلاسل إمداد النفط، ويُدفع العالم إلى دائرة من القلق والترقب. وفي مثل هذه اللحظات، يكفي خلل محدود أو شائعة غير مؤكدة كي تقفز الأسعار، وتبدأ الحسابات الكبرى في العواصم العالمية.

استهداف منشآت النفط

وأشار ليون سيوفي، في سياقها الإقليمي، يصعب فصل هذه الضربات عن الاشتباك المفتوح بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فالمواجهة التي كانت تُدار في مسارح عمليات تقليدية، سواء عبر حروب بالوكالة أو ضربات موضعية، تبدو اليوم وكأنها تتسلل إلى قلب البنية التحتية للطاقة، بما يعني أن الصراع تجاوز خطوط التماس العسكرية ودخل مرحلة استهداف الأعصاب الاقتصادية.

هذا الانتقال يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فعندما تتحول منشآت النفط إلى أهداف، فإن المعادلة لا تبقى عسكرية بحتة، بل تصبح اقتصادية وسياسية بامتياز. النفط والغاز هنا لا يمثلان موردًا ماليًا فحسب، بل أداة ضغط ومساومة، وجزءًا من حسابات الردع المتبادل. ومن ثمّ، فإن أي تصعيد لا يُقاس فقط بعدد الضربات، بل بمدى تأثيرها على الأسواق وعلى ثقة المستثمرين وعلى استقرار الممرات البحرية.

احتمالات الرد الواسع

تكمن خطورة اللحظة الراهنة في احتمال الرد المباشر واسع النطاق. فإذا جاء الرد بحجم أكبر، فإن الخليج بأكمله قد يتحول إلى ساحة اشتعال مفتوحة، حيث تتداخل الموانئ مع القواعد العسكرية، وتصبح المضائق البحرية نقاط اختناق محتملة، وتدخل أسعار النفط والغاز في قلب معادلة الضغط المتبادل بين القوى المتصارعة. عندها، لن يكون الحديث عن ضربة محدودة أو رسالة تكتيكية، بل عن تحوّل استراتيجي قد يعيد رسم خرائط الأمن الإقليمي.

في مثل هذا السيناريو، تتشابك المصالح الإقليمية مع الحسابات الدولية. فالدول المنتجة للطاقة تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: حماية منشآتها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكلّفها استقرارها الداخلي ومكانتها الاقتصادية. أما القوى الكبرى، فبينما قد تستفيد بعض أطرافها من اضطراب الأسواق على المدى القصير، فإن انفلات الصراع يظل خطرًا لا يمكن ضبط مساراته بسهولة.

أسئلة على حافة النار

يبقى السؤال الجوهري معلقًا فوق هذا المشهد المتوتر: لصالح من يتسع نطاق النار؟ وهل يخدم اتساع دائرة الاستهداف الدول المنتجة للطاقة، أم يعرضها لمخاطر طويلة الأمد قد تقوّض استثماراتها وثقة الأسواق بها؟ ثم هل تسعى قوى دولية إلى إعادة رسم توازنات ردع جديدة تحت سقف محسوب، أم أن الجميع يقترب من حافة لا يريد أحد السقوط منها؟

التجربة التاريخية تشير إلى أن الحروب، حين تنفلت من قيودها، لا تبقى في يد من أشعل شرارتها. والخليج ليس هامشًا جغرافيًا يمكن احتواء انفجاره بسهولة، بل عقدة استراتيجية ترتبط بأسواق آسيا وأوروبا وأمريكا، وأي اضطراب واسع فيه سيرتد على النظام الاقتصادي الدولي بأسره. من هنا، فإن هامش الخطأ يبدو ضيقًا للغاية، وأي سوء تقدير قد يحوّل رسائل الضغط المتبادلة إلى نار يصعب إخمادها.

وبين فرضية تثبيت قواعد اشتباك جديدة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، واحتمال الانزلاق غير المقصود نحو تصعيد أوسع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام صراع نفوذ قابل للاحتواء، أم أمام منعطف ينذر بتحول أعمق في شكل المنطقة وتوازناتها؟ والأهم، من يملك فعلًا القدرة على إطفاء الحريق إذا تمدد اللهيب في الخليج كله؟

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال