شهدت قرية العقبة الواقعة إلى الشرق من محافظة طوباس في الأغوار الشمالية، صباح اليوم السبت، فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية والتهجير القسري، حيث أقدمت ست عائلات فلسطينية على تفكيك مساكنها وخيامها بأيديها، في مشهد يجسد ذروة الضغط النفسي والميداني الذي يمارسه المستوطنون وجيش الاحتلال الإسرائيلي.
هذا الرحيل المرّ لم يكن خياراً طوعياً، بل جاء نتيجة تراكم سنوات من الملاحقة اليومية، وتصاعد حاد في وتيرة الاعتداءات المسلحة التي باتت تستهدف وجود الفلسطيني في أرضه بشكل مباشر، مما جعل البقاء في تلك المنطقة مغامرة محفوفة بالمخاطر على الأرواح والممتلكات، خاصة في ظل غياب أي حماية دولية أو قانونية تردع هذه الممارسات الممنهجة.
تصعيد الميدان
لم تكن خطوة التفكيك والرحيل وليدة الصدفة، بل جاءت غداة يوم دامي شهدته قرية العقبة أمس الجمعة، حيث أصيب 12 مواطناً فلسطينياً بجروح ورضوض متفاوتة جراء اعتداءات وحشية نفذها جيش الاحتلال والمستوطنون.
بدأت الأحداث بهجوم شنه مستوطنون مسلحون على مساكن المواطنين، ليتدخل جيش الاحتلال لاحقاً ليس لحماية الضحايا، بل لمساندة المعتدين والتنكيل بالأهالي الذين حاولوا الدفاع عن أنفسهم بصدورهم العارية.
هذا النمط من الاعتداءات المزدوجة أصبح سمة بارزة في الأغوار الشمالية، حيث يتم تبادل الأدوار بين الميليشيات الاستيطانية والقوات النظامية، مما يضع الفلسطينيين أمام خيارين أحلاهما مر: إما البقاء تحت خطر القتل اليومي، أو الرحيل والبحث عن مأوى أكثر أماناً بعيداً عن أراضيهم التاريخية.
وتشير التقارير الميدانية من داخل القرية إلى أن المستوطنين باتوا يستخدمون أساليب أكثر عدوانية تشمل حرق المحاصيل، وتدمير خزانات المياه، ومداهمة الخيام ليلاً لإرهاب السكان.
إن ما يحدث في "العقبة" هو انعكاس لسياسة أوسع تهدف إلى قضم مساحات واسعة من الأغوار، التي تعتبر السلة الغذائية لفلسطين، وتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة أو محميات طبيعية، قبل أن يتم تسليمها لاحقاً للمستوطنين لإنشاء بؤر رعوية وزراعية.
هذا التضييق الممنهج جعل من الحياة اليومية في قرية العقبة ضرباً من المستحيل، مما دفع هذه العائلات لاتخاذ القرار الصعب بتفكيك حياتها وحمل خيامها والبحث عن مجهول جديد يقيها شر الرصاص والملاحقة.
أرقام وإحصائيات صادمة
في سياق متصل، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقريرها الأخير عن أرقام مفزعة تعكس حجم الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الضفة الغربية.
فقد سجل شهر كانون الثاني/ يناير الماضي وحده ما مجموعه 1872 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون، وهو رقم يعكس انفجاراً في وتيرة العنف الاستيطاني الرسمي وغير الرسمي.
ووفقاً للبيانات، فقد كان لجيش الاحتلال النصيب الأكبر من هذه الانتهاكات بواقع 1404 اعتداءات، شملت عمليات هدم، ومصادرة أراضٍ، وإغلاق طرق، في حين نفذ المستوطنون 468 اعتداءً تركزت في معظمها على الممتلكات الشخصية والاعتداءات الجسدية المباشرة ضد المواطنين العزل.
وتوزعت هذه الاعتداءات جغرافياً لتشمل كافة محافظات الضفة، إلا أن محافظة الخليل تصدرت القائمة بواقع 415 اعتداءً، نظراً لتعقيد الوضع داخل المدينة وقراها المحاطة بالمستوطنات، تلتها محافظة رام الله والبيرة بـ 374 اعتداءً، ثم محافظة نابلس بـ 328 اعتداءً، بينما سجلت محافظة القدس 201 اعتداءً.
هذه الإحصائيات تؤكد أن ما جرى في قرية العقبة اليوم ليس حادثاً معزولاً، بل هو جزء من مخطط استراتيجي شامل يهدف إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين في المناطق المصنفة "ج"، وتحويل حياة السكان إلى سلسلة من الأزمات المتلاحقة التي تنتهي بالتهجير القسري تحت ضغط العنف والحاجة إلى الأمان.










