شهدت مدينة غزة، مساء اليوم الأحد، جريمة اغتيال جديدة نفذتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي المسيرة، مستهدفة سيارة مدنية كانت تسير في منطقة مكتظة وحيوية غرب المدينة.
وأفاد شهود عيان بأن طائرات الاستطلاع أطلقت صاروخاً واحداً على الأقل باتجاه مركبة كانت تمر بالقرب من جامعة الأزهر في منطقة الكتيبة، مما أدى إلى وقوع انفجار هائل واشتعال النيران بشكل كامل في السيارة التي تحولت في غضون ثوانٍ إلى كتلة من اللهب.
هذا الاستهداف المباغت وقع في ذروة حركة المواطنين، مما تسبب في حالة من الذعر الشديد بين الطلاب المارين والسكان القاطنين في تلك المنطقة التي تضم مؤسسات تعليمية ومرافق عامة، وهو ما يعكس إصرار الاحتلال على تنفيذ عمليات التصفية الجسدية دون اكتراث بحياة المدنيين أو استقرار الأوضاع الميدانية الهشة التي يعيشها القطاع منذ أشهر.
وفور وقوع الانفجار، هرعت طواقم الدفاع المدني وسيارات الإسعاف إلى موقع الاستهداف، حيث واجهت صعوبة كبيرة في إخماد النيران المشتعلة للوصول إلى من بداخل المركبة.
وأكدت المصادر الطبية والميدانية أن الطواقم تمكنت من انتشال جثامين ثلاثة شهداء، وصفت جراحهم بأنها تفحم كامل نتيجة شدة الانفجار والحريق، بالإضافة إلى نقل عدد من المارة الذين أصيبوا بشظايا القصف إلى مستشفى الشفاء والمستشفيات القريبة لتلقي العلاج العاجل.
ويرى مراقبون أن اختيار موقع الاستهداف قرب "جامعة الأزهر" يحمل رسائل ترهيب واضحة، حيث يسعى الاحتلال إلى إيصال رسالة مفادها أن لا مكان آمناً في قطاع غزة، وأن سياسة "الاغتيالات الجراحية" المزعومة مستمرة في حصد أرواح الفلسطينيين تحت ذرائع أمنية واهية لا تستند إلى أي حقيقة قانونية.
واقع التهدئة الهشة والخروقات
تأتي هذه الجريمة الجديدة في وقت يفترض فيه أن قطاع غزة يخضع لاتفاق وقف إطلاق نار تم التوصل إليه في الحادي عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
ومع ذلك، فإن المعطيات على الأرض تشير إلى أن هذا الاتفاق لم يمنع جيش الاحتلال من مواصلة اعتداءاته الممنهجة، بل تحول الوقف المفترض للنار إلى حالة من "الحرب المنخفضة الحدة" التي تستهدف استنزاف الكادر البشري الفلسطيني.
وبحسب الإحصائيات الرسمية الموثقة، فقد بلغت حصيلة الشهداء الذين ارتقوا منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ قبل نحو خمسة أشهر وحتى تاريخ اليوم، نحو 644 شهيداً، وهو رقم ضخم يعكس حجم الاستهتار الإسرائيلي بالضمانات الدولية والوسطاء الذين أشرفوا على التهدئة. إن سقوط أكثر من 600 شهيد في ظل "وقف إطلاق نار" يطرح تساؤلات كبرى حول جدوى هذه الاتفاقات إذا لم توفر الحماية الدنيا للمدنيين في منازلهم وشوارعهم.
إلى جانب حصيلة الشهداء، ارتفع إجمالي عدد المصابين نتيجة الخروقات الإسرائيلية المتواصلة منذ أكتوبر الماضي إلى 1711 مصاباً، الكثير منهم يعانون من إعاقات دائمة وجراح خطيرة نتيجة استخدام أسلحة فتاكة في عمليات القصف الموضعي أو القنص الحدودي.
وتشمل هذه الخروقات غارات جوية، وعمليات توغل محدودة، وإطلاق نار باتجاه المزارعين والصيادين، فضلاً عن عمليات الاغتيال المباشرة كما حدث اليوم في منطقة الكتيبة.
إن استمرار هذا النزيف اليومي يؤكد أن جيش الاحتلال يستخدم اتفاق التهدئة كغطاء لتنفيذ عمليات "تطهير صامتة" وتصفية حسابات ميدانية، مستغلاً غياب الرقابة الدولية الفاعلة وصمت المجتمع الدولي عن الجرائم التي تُرتكب بدم بارد في شوارع غزة التي لم تضمد جراحها بعد من حرب الإبادة الجماعية التي سبقت الاتفاق.



