أعلن الحرس الثوري الإيراني، في بيان عسكري صدر فجر اليوم السبت، عن إطلاق الموجة الـ48 من العملية العسكرية الواسعة التي أطلق عليها اسم "وعد صادق 4"، وذلك بالتنسيق العملياتي الكامل مع حزب الله اللبناني.
وأوضح البيان أن هذه الهجمات استهدفت بدقة عالية سلسلة من الأهداف الاستراتيجية التابعة للاحتلال الإسرائيلي في مناطق الجليل والجولان السوري المحتل ومدينة حيفا، بالإضافة إلى توجيه ضربات مركزة لقواعد تابعة للقوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة.
وتأتي هذه العملية في سياق الرد الإيراني المستمر على العدوان المشترك الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل منذ أواخر فبراير الماضي، والذي استهدف المنشآت الحيوية والقيادات العليا في طهران، مما دفع المنطقة إلى حافة صراع إقليمي شامل لا يمكن التنبؤ بنهايته.
استخدام الصواريخ الباليستية المتطورة
أكد الحرس الثوري في تصريحاته الإعلامية أن الموجة الأخيرة من الهجمات تميزت باستخدام ترسانة صاروخية متطورة تضمنت صواريخ "خيبر-شكن" التي تعمل بالوقود الصلب وتعرف بقدرتها العالية على المناورة واختراق المنظومات الدفاعية، وصواريخ "قدر" التي تعمل بالوقود السائل وتمتاز بمدى واسع وقدرة تدميرية هائلة.
وإلى جانب القوة الصاروخية، شاركت أسراب من الطائرات المسيرة الهجومية (الانتحارية) في تنفيذ ضربات متزامنة استهدفت مراكز القيادة والسيطرة ومنظومات الرادار التابعة للاحتلال.
وأشار المتحدث العسكري إلى أن العملية حققت كافة أهدافها المرسومة بنجاح كامل، حيث تمكنت المقذوفات من الوصول إلى نقاط حيوية في عمق الأراضي المحتلة رغم محاولات الاعتراض من قبل الدفاعات الجوية الإسرائيلية والأمريكية المتمركزة في البحر المتوسط والقواعد الإقليمية.
إسقاط المسيرات الأمريكية MQ-9
وفي موازاة العمليات الهجومية، كشف الحرس الثوري عن حصيلة عمليات الرصد والاعتراض التي نفذتها منظومات الدفاع الجوي الإيرانية لحماية الأجواء الوطنية.
وأعلن البيان عن تتبع وتدمير ما مجموعه 112 طائرة مسيرة معادية من مختلف الأنواع (قتالية، استطلاعية، وانتحارية) منذ بدء العدوان على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي.
وخلال الساعات الماضية وحدها، نجحت المنظومات الدفاعية في إسقاط طائرتين مسيرتين أمريكيتين من الطراز المتقدم "MQ-9 Reaper" فوق مناطق فيروز آباد وبندر عباس الاستراتيجية المطلة على الخليج، بالإضافة إلى اعتراض وتدمير طائرة مسيرة أخرى في أجواء مدينة تبريز شمال غرب البلاد. وتعتبر إيران أن كثافة استخدام المسيرات من قبل الخصوم تهدف إلى استنزاف الدفاعات الجوية واختبار الثغرات الأمنية في منشآتها النووية والعسكرية.
سياق العدوان على إيران منذ فبراير
تعود جذور هذه المواجهة المفتوحة إلى الثامن والعشرين من فبراير/ شباط 2026، حين شنت دولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة عدواناً جوياً واسع النطاق على إيران، وصفته طهران بحرب الإبادة السياسية.
وقد أدى ذلك العدوان إلى استشهاد مئات الأشخاص، وعلى رأسهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، إضافة إلى عدد من كبار القادة العسكريين ومسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة الإيرانية.
ومنذ ذلك الحين، اعتمدت طهران استراتيجية "الرد بالمثل" عبر إطلاق موجات متتالية من الصواريخ والمسيرات باتجاه الأراضي المحتلة، معتبرة أن كسر قواعد الاشتباك من قبل واشنطن وتل أبيب يمنحها الحق المشروع في الدفاع عن سيادتها وأمنها القومي بكافة الوسائل المتاحة وبلا حدود جغرافية.
استهداف القواعد الأمريكية والمخاوف الإقليمية
لم يقتصر الرد الإيراني على استهداف الداخل الإسرائيلي، بل امتد ليشمل "مواقع ومصالح أمريكية" في عدة دول عربية، وهو ما تسبب في سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بالغة بأعيان مدنية ومنشآت حيوية.
وتبرر إيران هذه الهجمات بأن القواعد الأمريكية في المنطقة تُستخدم كمنصات لانطلاق العدوان الجوي ضد أراضيها، مما يجعلها أهدافاً عسكرية مشروعة في قانون الحرب. من جهتها، أبدت الدول العربية المستهدفة إدانة واسعة لهذه العمليات، مطالبة بضرورة تحييد أراضيها عن الصراع الإيراني-الأمريكي، ومحذرة من أن تحول المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات يهدد السلم والأمن الدوليين وإمدادات الطاقة العالمية، خاصة مع تلويح طهران المستمر بإمكانية إغلاق الممرات الملاحية في مضيق هرمز إذا استمرت الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
مستقبل التصعيد وخيارات الرد
يرى محللون سياسيون أن دخول الحرب شهرها الثاني يشير إلى أن المنطقة دخلت في حرب استنزاف طويلة الأمد، حيث يسعى كل طرف إلى فرض معادلة ردع جديدة. الحرس الثوري الإيراني، من خلال إعلانه عن الموجة الـ48، يرسل رسالة مفادها أن ترسانته الصاروخية لم تتأثر بالضربات الأمريكية، وأن لديه القدرة على مواصلة الهجمات لفترات طويلة وبالتنسيق مع حلفائه في "محور المقاومة".
وفي المقابل، تواصل واشنطن وتل أبيب تعزيز حضورهما العسكري في المنطقة، مع احتمالية الانتقال إلى مستويات أعلى من التصعيد قد تشمل استهداف المنشآت النفطية أو الاقتصادية الحيوية في عمق إيران.
ويبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة القنوات الدبلوماسية الدولية على احتواء هذا الموقف المتفجر قبل أن يتحول إلى مواجهة مباشرة كبرى تغير خارطة الشرق الأوسط السياسية والجغرافية بشكل نهائي.









