في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، استشهدت مواطنة فلسطينية عصر اليوم السبت جراء تعرضها لنيران قناصة جيش الاحتلال الإسرائيلي المتمركزين على الحدود الشرقية لوسط قطاع غزة.
وأكدت مصادر طبية رسمية في المستشفيات الفلسطينية استشهاد المواطنة أسماء حسين الصعيدي، البالغة من العمر 54 عاماً، بعد أن استهدفتها رصاصة غادرة في منطقة الرقبة بشكل مباشر، مما أدى إلى وفاتها على الفور قبل وصولها إلى الطواقم الإسعافية.
ووقعت الحادثة في المناطق الشرقية لمخيم المغازي، وهو أحد المخيمات التي شهدت تدميراً واسعاً خلال الأشهر الماضية، مما يشير إلى أن الاحتلال لا يزال يمارس سياسة القنص الممنهج ضد المدنيين العزل الذين يحاولون تفقد منازلهم أو التحرك في المناطق القريبة من السياج الحدودي، ضارباً بعرض الحائط كافة التفاهمات المتعلقة بخفض التصعيد.
إحصائيات الصحة اللبنانية: نزيف لا يتوقف رغم التهدئة
بالتوازي مع هذه الحادثة، أصدرت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة تحديثاً إحصائياً يكشف حجم المأساة المستمرة، حيث أعلنت عن وصول جثامين 7 شهداء و13 مصاباً إلى المستشفيات المختلفة خلال الـ 48 ساعة الماضية وحتى صباح اليوم السبت.
وتأتي هذه الأرقام لتؤكد أن آلة القتل الإسرائيلية لم تتوقف عن العمل بشكل كامل، بل لا تزال تمارس القتل بالقطعة عبر عمليات القنص والقصف الموضعي.
ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية ودولة الاحتلال قد دخل حيز التنفيذ رسمياً في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلا أن الخروقات الإسرائيلية اليومية تجعل من هذا الاتفاق حبراً على ورق في مناطق التماس، حيث يعيش السكان حالة من الرعب الدائم بسبب غدر رصاص القناصة الذي يتربص بكل من يتحرك في المناطق المفتوحة أو القريبة من محاور التمركز العسكري.
فاتورة الإبادة الجماعية: أرقام تعجز الكلمات عن وصفها
إن استشهاد المواطنة أسماء الصعيدي ليس سوى قطرة في بحر الدماء الذي سال منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث شنت دولة الاحتلال حرب إبادة جماعية شاملة بدعم سياسي وعسكري واسع من قوى دولية وأوروبية.
هذه الحرب التي لم تبقِ ولم تذر، خلفت وراءها أكثر من 239 ألف فلسطيني ما بين شهيد وجريح، تشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر منهم، مما يؤكد تعمد الاحتلال استهداف النسيج المجتمعي الفلسطيني.
وبالإضافة إلى الضحايا الموثقين، لا يزال هناك ما يزيد على 11 ألف مفقود تحت ركام المنازل المدمرة، حيث تمنع قوات الاحتلال طواقم الدفاع المدني والإنقاذ من الوصول إليهم في العديد من المناطق، مما يحول القطاع إلى مقبرة جماعية كبرى وسط صمت دولي وتجاهل تام للأوامر الملزمة الصادرة عن محكمة العدل الدولية بضرورة وقف أعمال الإبادة.
سياسة التجويع والمحو الجغرافي لقطاع غزة
لم تكتفِ آلة الحرب الإسرائيلية بالقتل المباشر بالرصاص والصواريخ، بل انتهجت استراتيجية "التجويع كلاح" لتركيع الشعب الفلسطيني، مما أدى إلى انتشار مجاعة حادة أزهقت أرواح العشرات، معظمهم من الأطفال الرضع والمسنين الذين لم تحتمل أجسادهم الهزيلة نقص التغذية الحاد.
إن هذا التدمير الشامل لم يقتصر على البشر، بل طال الحجر والشجر، حيث تم محو مدن ومناطق كاملة من الخريطة، وتحويل المربعات السكنية الراقية والمرافق العامة الحيوية إلى أكوام من الركام والتراب.
هذا المسعى الإسرائيلي يهدف بوضوح إلى جعل قطاع غزة مكاناً غير قابل للحياة لسنوات طويلة قادمة، وفرض واقع التهجير القسري على مئات آلاف النازحين الذين يعيشون الآن في خيام مهترئة تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية، منتظرين المجهول في ظل استمرار سياسة التدمير الممنهج.
خروقات التهدئة ومستقبل الاستقرار المفقود
إن العودة لسياسة القنص المباشر، كما حدث مع الشهيدة أسماء الصعيدي، يضع اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في تشرين الأول/أكتوبر الماضي على المحك.
فالفصائل الفلسطينية التي التزمت بالتهدئة لمواجهة الأزمة الإنسانية الخانقة، تجد نفسها اليوم أمام ضغوط شعبية متزايدة للرد على هذه الانتهاكات.
وفي المقابل، يستمر الاحتلال في سياسة "الاستفزاز المستمر" لجر المنطقة إلى جولة جديدة من الصراع أو لفرض مناطق عازلة بقوة السلاح.
إن المجتمع الدولي مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالانتقال من مربع الإدانات اللفظية إلى مربع الأفعال والضغوط الحقيقية، لضمان وقف هذه الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها أمام المحاكم الدولية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية الكافية لإنهاء المجاعة التي تنهش في أجساد الغزيين، وإلا فإن الانفجار القادم سيكون حتمياً وأكثر عنفاً مما سبق.







