شهدت بلدة قصرة، الواقعة إلى الجنوب من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، مساء اليوم السبت، فصلاً جديداً من فصول الإرهاب المنظم الذي تمارسه مجموعات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وأفادت مصادر طبية وميدانية متطابقة باستشهاد الشاب أمير معتصم محمود عودة، البالغ من العمر 25 عاماً، بعد إصابته برصاصة حية اخترقت منطقة الصدر بشكل مباشر، أطلقها أحد المستوطنين خلال هجوم استهدف المنطقة الغربية من البلدة.
ولم تتوقف الجريمة عند هذا الحد، بل أصيب شاب آخر برصاص حي في منطقة الركبة، وآخر في الفخذ، في محاولة واضحة لإيقاع أكبر قدر من الإصابات الجسدية بين الشبان الذين هبوا للدفاع عن منازلهم وعائلاتهم.
إن استهداف منطقة الصدر يشير بوضوح إلى نية القتل المبيتة لدى المستوطنين الذين باتوا يتحركون بضوء أخضر سياسي وعسكري لتنفيذ إعدامات ميدانية بحق الفلسطينيين العزل.
التنكيل بالعائلات واستهداف والد الشهيد
تجلت بشاعة الهجوم في الاعتداء الوحشي الذي تعرض له والد الشهيد أمير عودة، حيث قامت مجموعة من المستوطنين بالاعتداء عليه بالضرب المبرح باستخدام الهراوات وأعقاب البنادق، مما أدى إلى إصابته برضوض وجروح وصفت بالمتوسطة. هذه الحادثة تعكس سادية الاحتلال ومستوطنيه الذين لا يكتفون بقتل الأبناء بل يعمدون إلى إهانة والتنكيل بالآباء في نفس اللحظة.
ووفقاً لشهادات الأهالي، فإن المستوطنين هاجموا المنازل المأهولة بالسكان وأطلقوا الرصاص الحي بشكل عشوائي، مما خلق حالة من الذعر بين النساء والأطفال، قبل أن يتصدى لهم الشبان بصدورهم العارية في محاولة لثنيهم عن مواصلة التخريب والقتل.
ويؤكد مراقبون أن بلدة قصرة باتت هدفاً دائماً للمستوطنين نظراً لموقعها الاستراتيجي وصمود أهلها في وجه التمدد الاستيطاني الذي يلتهم أراضيهم يوماً بعد يوم.
اعتقالات الأغوار الشمالية وسياسة تفريغ الأرض
بالتزامن مع أحداث نابلس، نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية داهمت خلالها "خربة سمرة" في الأغوار الشمالية، وهي منطقة تعاني أصلاً من تضييقات عسكرية خانقة تهدف إلى دفع سكانها نحو الرحيل القسري.
وأفاد شهود عيان بأن قوة عسكرية اقتحمت خيام المواطنين واعتقلت ثلاثة فلسطينيين من عائلة واحدة وهم: أيمن دراغمة، ذياب عبد دراغمة، وفوزي دراغمة.
إن عملية الاعتقال من داخل "الخيام" تعكس هشاشة الأمن الذي يعيشه سكان الأغوار الذين يواجهون خطر الاعتقال أو الهدم في أي لحظة.
وتأتي هذه الاعتقالات كجزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى إضعاف الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة "ج" وتسهيل سيطرة المستوطنين على الموارد الطبيعية والمراعي التي تعتمد عليها هذه العائلات في معيشتها الأساسية.
الضفة الغربية وحرب الإبادة الصامتة
لا يمكن فصل أحداث السبت عن السياق العام الذي تعيشه الضفة الغربية منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة في أكتوبر 2023. فمنذ ذلك الحين، كثفت قوات الاحتلال ومعها ميليشيات المستوطنين المسلحة من وتيرة الاعتداءات، لترتفع حصيلة الشهداء في الضفة والقدس المحتلة إلى نحو ألف و125 شهيداً.
إن ما يحدث في الضفة هو "حرب إبادة صامتة" تتمثل في القتل اليومي، وتدمير البنى التحتية، وفرض قيود عسكرية مشددة على حركة المواطنين عبر الحواجز والبوابات الحديدية التي تقطع أوصال المدن والقرى.
هذه الإجراءات تهدف إلى عزل التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى سجون مفتوحة، مما يسهل عمليات الاقتحام والاعتقال التي تجري يومياً تحت ذرائع أمنية واهية، بينما الهدف الحقيقي هو ترسيخ المشروع الاستيطاني وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
صمود شعبي أمام إرهاب المستوطنين
رغم فداحة التضحيات وسقوط الشهيد أمير عودة، إلا أن الرد الشعبي في بلدة قصرة وغيرها من القرى الفلسطينية يثبت فشل سياسة الترهيب الإسرائيلية.
فقد أكد أهالي البلدة أن تصديهم للمستوطنين هو خيار اضطراري للدفاع عن الوجود، محذرين من أن صمت المجتمع الدولي على جرائم المستوطنين يشجعهم على ارتكاب المزيد من المجازر.
إن المشهد في الضفة الغربية اليوم يتجه نحو مزيد من الانفجار، حيث لم تعد القوات النظامية للاحتلال هي الوحيدة التي تمارس القتل، بل أصبح المستوطنون يشكلون "جيشاً ثانياً" مسلحاً ومحمياً بقوانين عنصرية تمنحهم الحصانة من الملاحقة.
وفي ظل هذا التصعيد، يظل المواطن الفلسطيني متمسكاً بأرضه، رغم الرصاص والحواجز، في معركة بقاء لا تقبل القسمة على اثنين، بانتظار موقف دولي حازم يوقف نزيف الدماء ويضع حداً لهذا التغول الاستيطاني البربري.







