20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حصار "تقوع".. كيف تحولت الطرق الاستيطانية إلى أداة لعزل المزارع الفلسطيني؟

شقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الأحد الموافق، طرقاً استيطانية جديدة واستولت على مئات الدونمات من أراضي بلدة "تقوع"

بقلم: محمد خميس
١٥ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
20 مشاهدة
الاحتلال يشق طرقا استيطانية

الاحتلال يشق طرقا استيطانية

شقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الأحد الموافق، طرقاً استيطانية جديدة واستولت على مئات الدونمات من أراضي بلدة "تقوع" الاستراتيجية الواقعة إلى الشرق من مدينة بيت لحم جنوبي الضفة الغربية المحتلة. 

وتأتي هذه الخطوة العدوانية في سياق تصاعد وتيرة النشاط الاستيطاني المحموم الذي تشهده الأراضي الفلسطينية منذ مطلع العام الجاري، حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى فرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد يصعب تغييره في المستقبل.

 إن استهداف بلدة تقوع بالتحديد يحمل دلالات خطيرة، نظراً لموقعها الذي يربط بين محافظتي بيت لحم والخليل، مما يجعل من مصادرة أراضيها وسيلة فعالة لتقطيع أوصال الريف الفلسطيني الجنوبي وعزله عن مراكزه الحضرية، وهو ما يندرج ضمن سياسة "التفتيت" التي تنتهجها حكومة الاحتلال ضد الوجود الفلسطيني.

تقرير منظمة البيدر

أفادت منظمة "البيدر" للدفاع عن حقوق البدو والحقوق الأرضية، بأن قوات الاحتلال والمعدات الثقيلة التابعة لوزارة الإسكان الإسرائيلية تواصل أعمال تجريف وشق طرق استيطانية ضخمة في أراضي بلدة تقوع، ما أدى بشكل مباشر إلى الاستيلاء الفعلي على مئات الدونمات من الأراضي الزراعية التي تعود ملكيتها لمواطنين فلسطينيين يمتلكون أوراقاً رسمية تثبت أحقيتهم بها. 

وأكدت المنظمة في بيانها الميداني أن هذه الأعمال التخريبية لا تهدف فقط إلى مصادرة الأرض، بل تهدف إلى خلق مسارات التفافية تخدم المستوطنين وتسهل حركتهم بين المستوطنات القائمة، بينما تمنع أصحاب الأرض الأصليين من الوصول إلى حقولهم ومزارعهم، مما يؤدي إلى تدمير الموسم الزراعي وضياع سبل العيش لمئات العائلات الفلسطينية التي تعتمد بشكل كلي على الزراعة وتربية المواشي في تلك المناطق.

استراتيجية ربط البؤر

أكدت التقارير الحقوقية والميدانية أن أعمال شق الطرق الحالية في منطقة "تقوع" تأتي ضمن إطار مخطط استراتيجي واسع يهدف إلى توسيع النشاط الاستيطاني وربط البؤر الاستيطانية المتناثرة في المنطقة ببعضها البعض، لتشكيل كتلة استيطانية كبرى متصلة جغرافياً. 

إن ربط هذه البؤر، التي تعتبر في نظر القانون الدولي غير شرعية، يهدف إلى شرعنتها بحكم الأمر الواقع عبر تزويدها بالبنية التحتية اللازمة من طرق وكهرباء ومياه على حساب الأراضي الفلسطينية المصادرة. 

هذا التمدد الاستيطاني يهدد بشكل مباشر الوجود السكاني في البلدات والقرى الفلسطينية المحيطة، حيث يحولها إلى "كانتونات" مغلقة محاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمناطق العسكرية المغلقة، مما يجعل الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني عبارة عن رحلة شاقة بين الحواجز والجدران.

أرقام استيطانية مرعبة

بحسب أحدث التقارير الفلسطينية والدولية الصادرة مع نهاية عام 2024 وبدايات عام 2026، فقد بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة رقماً قياسياً غير مسبوق، حيث تجاوز 770 ألف مستوطن. ويتوزع هؤلاء المستوطنون على أكثر من 180 مستوطنة رسمية معترف بها من قبل سلطات الاحتلال، بالإضافة إلى ما لا يقل عن 256 بؤرة استيطانية عشوائية تتوسع يومياً بدعم وحماية مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي. 

هذه الزيادة الهائلة في أعداد المستوطنين والوحدات السكنية الاستيطانية تعكس توجهاً واضحاً لتقويض أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة، حيث يتم غرس هذه المستوطنات في قلب التجمعات الفلسطينية لتمزيق النسيج الاجتماعي والجغرافي للشعب الفلسطيني، وتحويل الضفة الغربية إلى مجرد جزر معزولة في بحر من الاستيطان.

انتهاك القانون الدولي

تعتبر الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بأسره أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، هي أراضٍ فلسطينية محتلة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. وتعد كافة الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية فيها غير قانونية وتشكل خرقاً جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على القوة الاحتلالية نقل سكانها إلى الأراضي التي تحتلها. 

وقد حذرت المنظمات الدولية مراراً وتكراراً من أن أي إجراءات أحادية الجانب تهدف إلى تغيير الوضع القائم على الأرض، مثل مصادرة الأراضي في "تقوع" أو غيرها، من شأنها أن تقوض بشكل نهائي فرص التوصل إلى حل عادل ودائم قائم على أساس حل الدولتين. ورغم هذه التحذيرات، تواصل إسرائيل ضرب عرض الحائط بكل النداءات الدولية، مستغلة الصمت العالمي لتنفيذ مخططات الضم الزاحف التي تستهدف قلب الضفة الغربية.

التداعيات على السكان

إن مصادرة مئات الدونمات في بلدة تقوع لا تمثل مجرد خسارة مادية للأرض، بل هي اعتداء على التاريخ والهوية الفلسطينية المرتبطة بهذه الأراضي منذ آلاف السنين. فالمزارع الفلسطيني في تقوع يجد نفسه اليوم محاصراً بين آليات التجريف التي تلتهم زيتونه، وبين اعتداءات المستوطنين التي تتم تحت حماية الجنود. 

هذه السياسة تهدف إلى دفع المواطن الفلسطيني إلى اليأس والهجرة الطوعية من أرضه عبر التضييق الاقتصادي والأمني المستمر، كما أن شق هذه الطرق الاستيطانية يغير من معالم الطبيعة والتضاريس في بيت لحم، ويؤدي إلى تدمير البيئة المحلية وتهديد التنوع الحيوي، فضلاً عن تحويل الطرق التاريخية التي كان يسلكها الفلسطينيون إلى طرق محرمة عليهم ومخصصة حصراً للمستوطنين، مما يكرس نظام "الأبارتهايد" أو الفصل العنصري بأبشع صوره.

الموقف الفلسطيني المطلوب

أمام هذا الزحف الاستيطاني الخطير في شرق بيت لحم، تطالب الفعاليات الوطنية والمؤسسات الحقوقية الفلسطينية بضرورة وجود تحرك دولي عاجل يتجاوز بيانات الإدانة والقلق.

 إن المطلوب هو فرض عقوبات حقيقية على منظومة الاستيطان الإسرائيلي ومقاطعة منتجات المستوطنات بشكل كامل، بالإضافة إلى توفير حماية دولية فورية للشعب الفلسطيني وأرضه من تغول الاحتلال ومستوطنيه. 

كما تشدد منظمة "البيدر" وغيرها من المنظمات على أهمية تعزيز صمود المزارعين في المناطق المستهدفة عبر تقديم الدعم المادي والقانوني اللازم لتمكينهم من البقاء في أراضيهم ومواجهة مخططات المصادرة. 

إن صمود المواطن في تقوع وخلفه كل مدن الضفة هو خط الدفاع الأخير عن الحقوق الوطنية المشروعة في وجه آلة الهدم والتهجير الاستيطانية التي لا تتوقف عن التهام الأرض الفلسطينية يوماً بعد يوم.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال