أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، اليوم الأحد، عن تحديث مؤلم ومفزع لحصيلة عدوان الاحتلال الإسرائيلي المستمر على القطاع، حيث ارتفع إجمالي عدد الشهداء إلى 72,239 شهيداً، بالإضافة إلى تسجيل 171,861 مصاباً، وذلك منذ اندلاع شرارة العدوان في السابع من أكتوبر 2023.
وتأتي هذه الأرقام لتعكس حجم المأساة الإنسانية التي لحقت بالشعب الفلسطيني في غزة، حيث تحول القطاع إلى ساحة لأكبر عملية إبادة جماعية شهدها القرن الحادي والعشرون، في ظل صمت دولي وتواطؤ قوى عظمة وفرت الدعم العسكري والسياسي لآلة الحرب الإسرائيلية التي لم تفرق بين طفل أو امرأة أو مسن، مخلفة دماراً لم تشهده المنطقة منذ عقود طويلة.
ضحايا الساعات الأخيرة
أوضحت الوزارة في بيانها الرسمي الصادر من قلب المعاناة، أنه ورغم سريان تفاهمات معينة، إلا أن المستشفيات استقبلت خلال الساعات الـ24 الماضية 5 شهداء، من بينهم 4 شهداء جدد وشهيد ارتقى متأثراً بإصابة سابقة بليغة، بالإضافة إلى تسجيل 8 إصابات جديدة.
هذه المعطيات تشير بوضوح إلى أن الموت لا يزال يتربص بسكان غزة حتى في اللحظات التي يفترض أنها تشهد هدوءاً ميدانياً، حيث يعاني آلاف الجرحى من مضاعفات خطيرة نتيجة نقص الإمكانيات الطبية وانهيار المنظومة الصحية، مما يرفع عداد الشهداء بشكل يومي نتيجة الإصابات المعقدة التي لم تجد العلاج الكافي في ظل الحصار الطبي المطبق الذي فرضه الاحتلال على مدار سنوات وأشهر العدوان.
إرث الإبادة الجماعية
ما بعد وقف النار
أشارت البيانات الإحصائية الدقيقة لوزارة الصحة إلى أن إجمالي عدد الشهداء منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي قد ارتفع إلى 663 شهيداً، فيما وصل إجمالي الإصابات في هذه الفترة المحددة إلى 1762 إصابة.
وفي سياق الجهود المضنية لانتشال الضحايا من تحت ركام المنازل المدمرة، جرى انتشال 756 جثماناً لمواطنين فقدوا حياتهم في غارات سابقة، وهو ما يوضح حجم الكارثة المدفونة تحت أطنان الإسمنت. إن هذه الأرقام تعكس واقعاً مريراً؛ فالحرب لم تنتهِ بالنسبة لآلاف العائلات التي لا تزال تبحث عن أحبائها تحت الأنقاض، أو تودع جرحاها الذين صمدوا لأشهر قبل أن تفيض أرواحهم نتيجة استنزاف المنظومة الحيوية لأجسادهم المنهكة.
حرب الإبادة والتجويع
ارتكبت دولة الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبدعم أمريكي وأوروبي غير محدود، حرب إبادة جماعية متكاملة الأركان ضد سكان قطاع غزة، شملت القتل المباشر، والتجويع المتعمد كأداة حرب، والتدمير الشامل للمساكن والبنى التحتية، فضلاً عن التهجير القسري والاعتقال التعسفي بالآلاف.
وقد جاءت هذه الجرائم في تحدٍ صارخ وواضح لكافة النداءات الإنسانية الدولية، وتجاهلاً تاماً للأوامر الملزمة الصادرة عن محكمة العدل الدولية بضرورة وقف أعمال الإبادة وصون حياة المدنيين.
إن إسرائيل مضت في خطتها لمحور الوجود الفلسطيني في غزة، معتمدة على سياسة "الأرض المحروقة" التي جعلت من الحياة في القطاع أمراً شبه مستحيل، محولة المدن الزاهرة إلى أكوام من الخراب والرماد.
الضحايا والمفقودون
خلفت هذه الإبادة الجماعية أكثر من 239 ألف فلسطيني ما بين شهيد وجريح ومصاب بعاهات مستديمة، وهو رقم مرعب يمثل نسبة كبيرة من إجمالي سكان القطاع، مع ملاحظة أن معظم الضحايا هم من الأطفال والنساء الذين لا يشكلون أي خطر عسكري. وبالإضافة إلى هذه الأرقام، هناك ما يزيد على 11 ألف مفقود لا يزال مصيرهم مجهولاً، يُعتقد أن معظمهم دفنوا تحت أنقاض منازلهم التي قصفتها الطائرات دون سابق إنذار.
وتترافق هذه الخسائر البشرية مع نزوح مئات الآلاف الذين يعيشون في خيام مهترئة، ومجاعة حادة أزهقت أرواح الكثيرين، وخاصة الأطفال الرضع، نتيجة منع وصول المساعدات الغذائية الأساسية، مما يرسخ مفهوم التصفية الجسدية المنهجية للشعب الفلسطيني.
محو الخارطة الجغرافية
إلى جانب الخسائر في الأرواح، أدت آلة الحرب الإسرائيلية إلى محو معظم مدن قطاع غزة ومناطقه الحيوية من على الخريطة بشكل فعلي. لقد تعرضت الأحياء السكنية، والجامعات، والمدارس، والمستشفيات، والمساجد، والكنائس لعمليات هدم كلي وتفجير ممنهج، مما جعل معالم غزة القديمة والحديثة تختفي تماماً.
هذا الدمار الشامل لم يكن عشوائياً، بل كان يهدف إلى تدمير مقومات الحياة الأساسية ومنع السكان من العودة إلى مناطقهم الأصلية، وهو ما يفسره المحللون كجزء من استراتيجية "الترانسفير" أو التهجير القسري الصامت. إن إعادة إعمار ما دمره الاحتلال قد تستغرق عقوداً، في ظل حجم التلوث البيئي وانتشار المتفجرات غير المنفجرة التي تملأ الأراضي المحرقة في كافة أرجاء القطاع.
آفاق الهدنة الهشة
يذكر أن اتفاق وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي قد دخل حيز التنفيذ فعلياً في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بعد شهور من القتل الممنهج.
ورغم توقف القصف الجوي الواسع، إلا أن تبعات العدوان لا تزال تحصد الأرواح، والاحتلال لا يزال يفرض قيوداً مشددة على حركة الأفراد والبضائع.
إن الحصيلة الحالية التي أعلنتها وزارة الصحة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، حيث أن وقف إطلاق النار لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية المعاناة، بل هو بداية لمرحلة اكتشاف حجم الجريمة الحقيقي، ومعالجة جراح أكثر من 171 ألف مصاب يحتاج الكثير منهم لعمليات جراحية معقدة خارج القطاع، وهو ما يماطل الاحتلال في السماح به حتى يومنا هذا.










