وجه الدكتور علي لاريجاني، الذي يبرز حاليا كأقوى شخصية سياسية ودبلوماسية في هيكل الدولة الإيرانية، رسالة شديدة اللهجة ومفعمة بالدلالات الفلسفية والسياسية إلى العالم الإسلامي وحكوماته.
لاريجاني، المولود في العراق والحاصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة، استخدم خلفيته الأكاديمية وخبرته الطويلة كـ "رجل دولة بارع" ليصيغ خطاباً يمزج بين العتب الأخلاقي والتهديد المبطن، مؤكداً أن إيران تعرضت لعدوان أمريكي-صهيوني "مخادع" تم تمريره تحت غطاء المفاوضات السياسية، وهو ما أدى إلى استشهاد قادة عظام ومدنيين، لكنه انتهى بوقوع المعتدين في "مأزق استراتيجي" لا يملكون مخرجاً منه.
وانتقد لاريجاني بمرارة موقف الدول الإسلامية التي التزمت الصمت أو وقفت موقف المتفرج، مشيراً إلى أنه باستثناء حالات نادرة، ترك الشعب الإيراني وحيداً في مواجهة "الشيطان الأكبر" و"الشيطان الأصغر". واستدعى لاريجاني البعد الديني لإحراج القادة المسلمين، مقتبساً الحديث النبوي الشريف: "من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم"، متسائلاً بنبرة استنكارية عن طبيعة الإسلام الذي تتبعه تلك الحكومات التي ترى الاستغاثة ولا تستجيب لها، بل وتذهب في بعض الأحيان لاعتبار إيران "عدواً" لمجرد أنها تدافع عن سيادتها وتضرب القواعد الأمريكية التي تنطلق منها الهجمات ضدها.
توبيخ القواعد وتحذير المستقبل
تناول لاريجاني في رسالته نقطة خلافية جوهرية تتعلق باستهداف إيران للمصالح الأمريكية والإسرائيلية على أراضي دول إسلامية وجارة، واصفا الاحتجاجات التي تبديها تلك الدول بأنها "ذريعة واهية". وطرح سؤالاً وجودياً على تلك الحكومات: هل يُتوقع من إيران أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تُستخدم القواعد العسكرية فوق أراضيكم لذبح شعبها وتفكيك دولتها؟ مشدداً على أن المواجهة اليوم أصبحت واضحة المعالم؛ فهي بين جبهة أمريكا وإسرائيل من جهة، وبين إيران وقوى المقاومة من جهة أخرى، مطالباً القادة العرب والمسلمين بتحديد معسكرهم بوضوح ودون مواربة.
وحذر لاريجاني من الركون إلى الوعود الأمريكية، مؤكداً أن واشنطن ليست مخلصة لأحد، وأن إسرائيل ستبقى العدو التاريخي والوجودي للجميع.
وطالب شعوب وحكومات المنطقة بالتأمل في مستقبل العالم الإسلامي بعيداً عن الهيمنة الأجنبية، نافياً أن تكون لإيران أي أطماع توسعية أو رغبة في السيطرة على جيرانها، بل هي "ناصحة" تسعى لحماية البيئة الإقليمية من الانهيار. وشدد على أن أمن واستقلال وتقدم دول المنطقة لن يتحقق إلا من خلال "وحدة الأمة الإسلامية" التي إذا تحققت بقوة، ستكون قادرة على فرض إرادتها على القوى الكبرى ومنع استنزاف ثروات الشعوب.
موازين القوى في عام 2026
تأتي رسالة لاريجاني في وقت حساس للغاية من عمر الصراع المشتعل، حيث تحاول طهران استخدام ديبلوماسية "الرسائل المفتوحة" لكسر العزلة الإقليمية التي تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب فرضها.
وبحسب تحليل لصحيفة "الغارديان"، فإن بروز لاريجاني في هذا التوقيت يعكس رغبة إيرانية في تقديم وجه يجمع بين الحنكة التفاوضية والصلابة الميدانية، خاصة في ظل حالة الفوضى التي تضرب مراكز القرار في واشنطن بسبب غياب استراتيجية واضحة للحرب، كما ذكرت التقارير السابقة.
إن خطاب لاريجاني يهدف إلى تحويل العبء الأخلاقي والسياسي إلى عواصم المنطقة، محملاً إياها مسؤولية أي تصعيد مستقبلي قد يطال منشآتها نتيجة استمرار الوجود العسكري الأمريكي.
وتشير المصادر إلى أن هذه الرسالة قد تكون ممهدة لمرحلة جديدة من العمليات العسكرية التي تستهدف "تحييد" القواعد الأجنبية بشكل كامل، كما حدث في قاعدة "الظفرة" و"الشيخ عيسى".
ومن منظور لاريجاني، فإن الصمود الإيراني كسر هيبة "نمر الورق" الأمريكي، وأن المراهنة على الحماية الأمريكية أصبحت مراهنة خاسرة في ظل إدارة ترامب التي تطلب "ثمن الحماية" وتعرّض أمن مستضيفيها للخطر دون ضمانات حقيقية. إنها دعوة إيرانية صريحة لإعادة رسم خارطة التحالفات في الشرق الأوسط بناءً على معطيات القوة الجديدة التي أفرزتها حرب عام 2026.








