نقل التلفزيون الرسمي الإيراني، اليوم الثلاثاء، نبأ استشهاد علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، في هجوم إرهابي نفذه "مجرمون أمريكيون صهاينة" في قلب العاصمة طهران.
وجاء في البيان الرسمي أن لاريجاني، الذي يُعد واحدا من أبرز الساسة دهاءً وكفاءة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، قد نال شرف الشهادة على يد "أكثر الإرهابيين إجراماً في العالم"، ليلتحق بـ "إمام الشهداء" بعد حياة حافلة بالخدمة السياسية والأمنية منذ انتصار الثورة. وتأتي هذه الضربة المدوية بعد ساعات قليلة من اغتيال العميد غلام رضا سليماني، مما يشير إلى حملة تصفية شاملة تستهدف تجريف الطبقة السياسية والعسكرية العليا في إيران.
وأفادت تقارير إخبارية، بحسب ما نشرته "وكالة الأنباء الإيرانية" (إرنا)، أن عملية الاغتيال تمت بدقة تقنية عالية، مما يكشف عن اختراق استخباراتي عميق مكن الاحتلال الإسرائيلي من الوصول إلى رأس الهرم الدبلوماسي والأمني في البلاد.
ويعد لاريجاني صندوقا أسود للملفات الاستراتيجية، حيث شغل مناصب حساسة بدءا من رئاسة البرلمان وصولاً إلى قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو ما يجعل غيابه في هذا التوقيت الحرج زلزالاً سياسياً يضرب منظومة اتخاذ القرار الإيراني، ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة أجهزة الأمن على حماية ما تبقى من القيادات التاريخية.
اختراق التحصينات السيادية
تثبت عملية اغتيال لاريجاني قدرة الاحتلال الإسرائيلي، وبدعم مباشر من إدارة الرئيس الحالي ترامب، على تجاوز كافة الخطوط الحمراء الأمنية والوصول إلى أهداف كانت تُصنف بأنها "شبه مستحيلة". ووفقاً لتقرير تحليلي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن العمليات الأخيرة في طهران تعكس نجاحاً استخباراتياً صهيونياً في رسم خارطة دقيقة لتحركات القادة الإيرانيين، مستغلةً الفجوات التقنية والتعاون المعلوماتي الوثيق مع واشنطن. هذا الاختراق لا يقتصر على الجانب الميداني فحسب، بل يمتد ليكون رسالة رعب سياسية مفادها أن لا حصانة لأي قيادي مهما علا شأنه داخل أسوار "بيت المرشد" أو مراكز القرار السيادي.
وتشير القراءات الأمنية، بحسب ما ورد في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الاغتيالات المتلاحقة إلى إرباك العقل المدبر للدولة الإيرانية، عبر استبدال القيادات المجربة بعناصر قد تفتقر إلى ذات الخبرة في إدارة الأزمات الكبرى.
إن وصول يد الغدر الصهيوني إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي يعني أن بنك الأهداف الإسرائيلي قد انتقل من استهداف القادة الميدانيين في الظل إلى تصفية الوجوه السياسية التي تدير دفة المفاوضات والتحالفات الدولية، مما يضع إيران أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانكفاء لتأمين الجبهة الداخلية، أو الرد العسكري الشامل الذي قد يشعل المنطقة بأكملها.
شلل في مطبخ القرار
يمثل استشهاد علي لاريجاني طعنة في قلب "مطبخ القرار" الإيراني، حيث كان الرجل يمثل حلقة الوصل بين التيارين المحافظ والمعتدل، والمشرف المباشر على التنسيق مع محور المقاومة في العراق ولبنان وسوريا. وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن فقدان لاريجاني سيؤدي بالضرورة إلى حالة من "التيه الاستراتيجي" المؤقت داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، إذ أن الرجل كان يدير ملفات بالغة التعقيد تتعلق بالبرنامج النووي والردود العسكرية على التحرشات الأمريكية الإسرائيلية. هذا الفراغ القيادي قد يدفع باتجاه اتخاذ قرارات انفعالية أو، على العكس، قد يؤدي إلى حالة من الجمود بانتظار ترتيب البيت الداخلي.
ويرى مراقبون، وفقاً لتقرير نشرته "مؤسسة كارنيغي للسلام"، أن تواتر الاغتيالات منذ بداية عام 2026 يهدف إلى حرمان إيران من قدرتها على "التخطيط بعيد المدى"، وتحويل جهدها بالكامل نحو الدفاع عن النفس وردع التهديدات المباشرة. ومع استمرار المجازر الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023 بدعم أمريكي صريح، يبدو أن استراتيجية ترامب والاحتلال تتجه نحو "تفكيك الرؤوس" لإجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية أو الانجرار إلى مواجهة انتحارية. إن تأثير غياب لاريجاني سيمتد ليشمل تراجع القدرة على المناورة الدبلوماسية، مما يجعل خيارات التصعيد العسكري هي الطاغية على المشهد الإقليمي في الأيام المقبلة.







