20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سياسة "التجويع والتركيع" تضرب أقسام سجن النقب ومجدو ونفحة

تتصاعد بشكل مرعب وغير مسبوق وتيرة الانتهاكات الجسيمة بحق الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي

بقلم: محمد خميس
١٩ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
16 مشاهدة
سجون الاحتلال

سجون الاحتلال

تتصاعد بشكل مرعب وغير مسبوق وتيرة الانتهاكات الجسيمة بحق الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ اللحظات الأولى لاندلاع العدوان الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران، حيث تحولت السجون إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية عبر ممارسة أقسى أنواع التنكيل الممنهج.

 وتشهد المعتقلات المركزية، لاسيما سجون "مجدو" و"النقب" و"نفحة"، تدهوراً دراماتيكياً طال كافة المستويات الحياتية والصحية والمعيشية، في ظل سياسة انتقامية تهدف إلى كسر إرادة الصمود لدى آلاف المعتقلين. 

وقد أكد "مكتب إعلام الأسرى" في بيان رسمي صدر اليوم الخميس، أن إدارة مصلحة السجون كثّفت في الآونة الأخيرة من إجراءاتها القمعية والتعسفية، حيث باتت الاقتحامات الليلية المفاجئة للأقسام سلوكاً دورياً يترافق مع عمليات تفتيش عنيفة تؤدي إلى تدمير مقتنيات الأسرى البسيطة والاعتداء الجسدي المباشر عليهم، فضلاً عن فرض قيود مشددة تمنعهم من أبسط الحقوق الإنسانية مثل الخروج إلى ساحة السجن "الفورة" أو الاستحمام المنتظم، مما حول غرف الاعتقال إلى زنازين ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة البشرية الكريمة.

سياسة الإهمال الطبي والقتل البطيء للأسرى

أما على الصعيد الصحي، فقد أطلق مكتب إعلام الأسرى تحذيراً شديد اللهجة من تفاقم معاناة الأسرى المرضى والجرحى نتيجة استمرار سياسة الإهمال الطبي المتعمد التي تتبعها إدارة السجون كأداة للتعذيب الصامت.

 وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال يتعمد إعادة الأسرى إلى زنازينهم فور خضوعهم لعمليات جراحية معقدة دون السماح لهم باستكمال فترات العلاج أو النقاهة الضرورية، مع تقليص المتابعة الطبية إلى أدنى مستوياتها التاريخية، حيث يعاني الأسرى من نقص حاد في الأدوية الأساسية والمضادات الحيوية. 

ويتزامن هذا التدهور الصحي مع سوء جودة الغذاء المقدم لهم وقلة كمياته، مما أدى إلى فقدان الأسرى لأوزانهم بشكل ملحوظ وظهور علامات الهزال الشديد على أجسادهم، وهو ما ينذر بوقوع شهداء جدد داخل السجون نتيجة الفشل الكلوي أو الأمراض المزمنة التي لا تجد علاجاً سوى المسكنات البدائية في أحسن الأحوال، وسط تجاهل تام من الطواقم الطبية التابعة لإدارة السجون التي باتت تعمل كأدوات أمنية بدلاً من ممارسة مهامها الإنسانية.

انهيار المنظومة المعيشية وانتشار الأوبئة الجلدية

على الصعيد المعيشي والحياتي، يواجه الأسرى الفلسطينيون نقصاً حاداً وخطراً في الملابس والأغطية، حيث لا يمتلك الأسير الواحد في كثير من الأحيان سوى غيار واحد أو عدد محدود جداً من قطع الملابس التي لا تقيه برد الشتاء أو حر الصيف، وذلك في ظل غياب كامل لوسائل الغسيل الآلية أو اليدوية ومواد التنظيف الأساسية كالصابون والمعقمات. 

هذا الواقع المأساوي اضطر الأسرى لاستخدام الماء فقط لتنظيف ملابسهم أو اللجوء لبدائل غير صحية ومجهدة، مما خلق بيئة اعتقال ملوثة تفتقر للشروط الصحية الدنيا، وساهم بشكل مباشر في انتشار الأمراض الجلدية المعدية والطفيلية بين صفوف الأسرى الذين يفتقرون للعلاج اللازم لهذه الإصابات. 

إن تحويل السجون إلى بؤر للتلوث البيئي والصحي ليس مجرد إهمال إداري، بل هو قرار سياسي يهدف إلى استنزاف طاقة الأسير البدنية والنفسية وإشغاله بمكافحة الأمراض والآفات الجلدية بدلاً من التركيز على قضيته الوطنية، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة المعنية بحماية المدنيين والأسرى تحت الاحتلال.

الحرب النفسية واستهداف الشعائر الدينية

لم تتوقف غطرسة الاحتلال عند الجوانب المادية، بل امتدت لتشمل الحرب النفسية الممنهجة والقيود المشددة على الجوانب الدينية والإنسانية داخل الغرف والأقسام، حيث تعمدت إدارة السجون الحد من إدخال المصاحف الشريفة وتقليل توفرها بين أيدي الأسرى، بل واستخدام وجودها كذريعة واهية لاقتحام الأقسام والتنكيل بالمعتقلين تحت مسمى "البحث عن مواد تحريضية". 

هذه السياسة تهدف بالأساس إلى حرمان الأسرى من مصدر ثباتهم النفسي والروحي، ومحاولة تفريغ محتواهم الفكري والديني لكسر معنوياتهم في ظل الحرب الشعواء التي تشنها "إسرائيل" وحلفاؤها في الخارج. إن استهداف الرموز الدينية داخل السجون يعكس عقلية صهيونية راديكالية تسعى لسلخ الأسير عن معتقداته، وتصوير ممارسة الشعائر الدينية كخطر أمني يستوجب القمع والعزل، مما يزيد من حالة الاحتقان والغضب داخل السجون ويجعلها قابلة للانفجار في أي لحظة رداً على هذه الاستفزازات التي تمس أقدس مقدساتهم.

سجن النقب وعزلة التعتيم الشامل تحت وطأة الحرب

وفيما يتعلق بسجن "النقب" الصحراوي الواقع جنوب فلسطين المحتلة، أشار مكتب إعلام الأسرى إلى أن هذا السجن تحديداً يشهد حالة من التعتيم الإعلامي والحقوقي شبه الكامل منذ بدء الحرب على إيران، حيث تم عزل الأسرى تماماً عن العالم الخارجي وعن ذويهم ومحاميهم.

 وتترافق هذه العزلة مع تصاعد غير مسبوق في وتيرة القمع العشوائي الذي تنفذه وحدات القمع الخاصة "اليماز" و"المتيساد"، والتي تختلف حدتها بين قسم وآخر دون مبررات واضحة، مما يخلق حالة من انعدام الأمن الشخصي لدى الأسرى. 

ويزيد من حدة التوتر النفسي سماع الأسرى لدوي الانفجارات المستمرة وصفارات الإنذار التي تدوي في المناطق القريبة من السجن نتيجة الرشقات الصاروخية المتبادلة في الحرب الإقليمية، مما يضع الأسرى في حالة من الرعب الدائم والخوف من استهداف السجون أو وقوع مجازر داخلها بعيداً عن أعين الكاميرات ووسائل الإعلام، في ظل غياب أي إجراءات حماية أو ملاجئ تقيهم مخاطر العمليات العسكرية الجارية في المحيط.

نداء للتحرك الدولي ووقف التصعيد الخطير

اختتم مكتب إعلام الأسرى بيانه بالتشديد على أن ما يتعرض له الأسرى اليوم يمثل تصعيداً خطيراً يتجاوز كافة الخطوط الحمراء في سياسات القمع التاريخية، داعياً المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية، وعلى رأسها الصليب الأحمر والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، إلى الخروج عن صمتها والتحرك العاجل لتحمل مسؤولياتها القانونية. 

إن صمت هذه المؤسسات أمام استباحة دماء وأجساد وكرامة الأسرى يُعد ضوءاً أخضر للاحتلال للاستمرار في جرائمه، والمطلوب الآن هو تشكيل لجان تحقيق دولية تدخل السجون وتعاين الواقع الصحي والمعيشي المتردي قبل فوات الأوان.

 إن حماية الأسرى الفلسطينيين ليست مجرد شأن داخلي، بل هي اختبار لمدى مصداقية القوانين الدولية التي تدعي حماية حقوق الإنسان في زمن الحروب، وضمان عدم تحول المعتقلات إلى مقابر جماعية تحت ستار الدخان الكثيف للمواجهات العسكرية الكبرى في المنطقة، ووقف التغول الإسرائيلي الذي يضرب عرض الحائط بكل القيم الإنسانية.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال