حلّ أول أيام عيد الفطر المبارك لعام 2026 على اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، ولا سيما في منطقة الجنوب، بصورة مغايرة تماماً لما اعتادته الأزقة المكتظة بالحياة، حيث جاء العيد هذا العام مثقلاً بأصوات القصف العنيف، ومشحوناً بمشاعر الخوف والقلق الوجودي، ومفتوحاً على مشاهد النزوح القسري والدمار المستمر، ففي مدينة صور وجوارها، لم تكن زينة العيد هي المشهد الطاغي، بل كانت قوافل النازحين التي غادرت المخيمات والتجمعات الفلسطينية عقب إنذارات إخلاء متتالية استهدفت المنطقة، مما اضطر آلاف العائلات إلى ترك منازلها المتواضعة على عجل، حاملةً في جعبتها القليل من الأمتعة والكثير من الانكسار.
ويأتي هذا التصعيد العسكري ليعمق جراح اللاجئين الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية متهالكة وأزمات اقتصادية متلاحقة، حيث تحولت فرحة العيد إلى عبء نفسي ثقيل في ظل غياب الاستقرار وتصاعد التهديدات الأمنية التي لم توفر حتى دور العبادة أو مراكز الإيواء، مما جعل من "العيد" مناسبة لاسترجاع ذكريات الفقد واللجوء المتكرر بدلاً من الاحتفاء بالبهجة والسرور.
وتشير التقارير الميدانية من مخيمات صور والرشيدية والبص والبرج الشمالي إلى أن التصعيد العسكري الأخير في عام 2026 أدى إلى شلل كامل في استعدادات العائلات لاستقبال العيد، حيث توقفت الأسواق الشعبية عن العمل وغابت مظاهر شراء ملابس الأطفال أو تحضير موائد الإفطار الجماعية.
وأوضحت مصادر محلية أن الضغط النفسي الحاد الذي يخيّم على السكان ناتج عن حالة الترقب الدائم لاستهداف مفاجئ، وسط تزايد معدلات البطالة التي وصلت لقمة مستوياتها نتيجة توقف الأعمال اليومية في قطاعات الزراعة والبناء بسبب الحرب.
هذا الواقع المرير جعل تأمين لقمة العيش والدواء أولوية قصوى تسبق أي تفكير في مظاهر الاحتفال، بينما تواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تحديات لوجستية وتمويلية هائلة في تلبية الاحتياجات المتزايدة للنازحين الجدد والقدامى، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية داخل المخيمات التي استقبلت أقارب نازحين من مناطق المواجهات، ليتشارك الجميع المساحات الضيقة والموارد المحدودة في مشهد يجسد وحدة الألم بين اللاجئين الفلسطينيين وأشقائهم اللبنانيين في الجنوب.
شهادات من قلب المعاناة: غياب الفرح وحضور أنين النزوح
في توصيف دقيق لهذا الواقع المأساوي، يؤكد الإعلامي الفلسطيني توفيق سليم من مخيم البص أن أزقة المخيم التي كانت تضج بالحياة وتزدان بالألوان في الأعياد السابقة، باتت اليوم صامتة يسكنها الحزن، ولا يكسر سكونها سوى أصوات القذائف وأنين النازحين الذين افترشوا الطرقات أو لجأوا للمدارس، وأوضح أن استبدال زينة العيد بملابس النزوح يعكس جرحاً عميقاً لا تداويه الكلمات، حيث تراجعت التحضيرات أمام همّ أكبر يتمثل في البحث عن مأوى آمن بعيداً عن خط النار.
ومن جانبه أشار الناشط إيهاب حمود إلى أن العيد في عام 2026 يأتي بلا "ثياب جديدة" للأطفال ولا "عيدية" ترسم البسمة على وجوههم، في ظل انهيار اقتصادي حاد جعل الكثير من الأسر عاجزة حتى عن تأمين أبسط مقومات الغذاء، وتحولت المخيمات إلى ملاذات مكتظة تفتقر لأدنى معايير الصحة والسلامة، مع تزايد أعداد الضحايا والمفجوعين الذين فقدوا معيليهم في الغارات المستمرة، مما جعل تكبيرات العيد هذا العام تبدو كنشيج جماعي يعبر عن الصمود والصبر في وجه آلة الحرب والدمار.
وعلى الصعيد الأسري، تروي الناشطة ريان شحرور من مخيم الرشيدية قصصاً مؤلمة عن عائلات باتت تقضي يوم العيد في البحث عن حبة دواء أو غالون ماء، مؤكدة أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من هذا الوضع، حيث ارتبط مفهوم العيد لديهم بأصوات الانفجارات ومشاهد الدمار بدلاً من الألعاب والحلويات.
هذا التشويه لروح الطفولة خلف آثاراً نفسية عميقة سيحتاج علاجها لسنوات، فالكبار يحاولون إخفاء دموعهم وعجزهم أمام مطالب صغارهم، في وقت تشتتت فيه العائلات بين باقٍ في المخيم تحت القصف وبين نازح يبحث عن خيمة في مناطق أكثر أمناً، إن غياب المساعدات الكافية وتراجع دور المؤسسات الدولية وضع اللاجئين في مواجهة مباشرة مع الجوع والخوف، مما جعل العيد يمر بشكل رمزي جداً، مقتصرأً على بعض الصلوات والدعوات بأن تنتهي هذه الغمة وتتوقف شلالات الدماء التي تروي أرض الجنوب ومخيماته الصابرة.
الأزمة المعيشية والضغط النفسي: تحديات الوجود الفلسطيني في لبنان 2026
إن الأزمة المعيشية الخانقة التي تزامنت مع عيد الفطر 2026 لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج سنوات من التهميش الاقتصادي الذي انفجر مع اندلاع الحرب، حيث فقد آلاف العمال الفلسطينيين مصادر دخلهم اليومية في المزارع والورش القريبة من مناطق الاشتباك، وأصبح الاعتماد الكلي على مساعدات "الأونروا" الشحيحة التي لا تكفي لسد الرمق.
هذا الواقع جعل الاحتفال بالعيد رفاهية لا يملكها أحد، وسط ارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية وفقدان حليب الأطفال والمستلزمات الطبية الضرورية، ويشير مراقبون إلى أن الضغط النفسي الناتج عن النزوح المتكرر وفقدان المأوى يهدد التماسك الاجتماعي داخل المخيمات، حيث يعيش الجميع في حالة استنفار دائم، ومع ذلك، تبرز مبادرات فردية وشبابية داخل المخيمات لمحاولة توزيع بعض التمور أو الألعاب البسيطة على الأطفال النازحين، في محاولة بائسة لسرقة لحظات من الفرح من بين أنياب الحرب، مؤكدين أن إرادة الحياة لدى اللاجئ الفلسطيني لا تزال تقاوم رغم قسوة الظروف وتخلي العالم عن مسؤولياته الإنسانية تجاههم.
يرحل عيد الفطر لعام 2026 عن مخيمات لبنان مخلفاً وراءه قصصاً من الوجع والصمود لا تنسى، فالمشهد المأساوي الذي عاشته مخيمات صور والجنوب سيبقى شاهداً على مرحلة تاريخية قاسية تداخلت فيها دماء اللجوء بدماء العدوان.
إن استعادة بهجة العيد في هذه المخيمات لن تتحقق بالوعود والكلمات، بل بوقف فوري للحرب وتوفير حماية دولية حقيقية للاجئين وضمان عيش كريم لهم حتى العودة إلى ديارهم، ويبقى اللاجئ الفلسطيني في لبنان، رغم النزوح والفقر والقصف، متمسكاً بهويته وبإيمانه بأن الفجر القادم لابد أن يحمل معه عيداً حقيقياً بلا دماء ولا دموع، عيداً تعود فيه الزينة للأزقة والضحكة لقلوب الأطفال المحرومين، وتبقى مأساة هذا العام درساً قسياً في كيفية تحول الشعائر الإيمانية إلى صرخة استغاثة موجهة لضمير العالم الغائب.










