تُظهر استراتيجية الاغتيالات التي تستهدف كبار المسؤولين في إيران، بحسب ما ورد في صحيفة هآرتس بقلم المختص في شؤون الشرق الأوسط الأكاديمي الإسرائيلي "مئير جيفدنفر"، أنها تحمل أبعادًا تتجاوز الضربة الأمنية المباشرة، لتطال بنية النظام من الداخل. إذ إن تصفية الشخصيات ذات الخبرة تُفضي غالبًا إلى استبدالها بقيادات أقل كفاءة، ما ينعكس سلبًا على أداء المؤسسات التي كانت تعتمد على خبراتهم وشبكات نفوذهم. هذا التغيير القسري في الهرم القيادي يخلق حالة من الارتباك الإداري والسياسي، ويضعف قدرة النظام على اتخاذ قرارات متماسكة في أوقات الأزمات.
في هذا السياق، يبرز مثال المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي—رغم الانتقادات التي وُجهت إليه خلال فترة رئاسته بين عامي 1981 و1989 في عهد آية الله الخميني—تمكّن لاحقًا من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة عبر سنوات من العمل السياسي المعقّد. فقد احتاج إلى وقت طويل لبناء شبكات الولاء داخل النظام، خاصة في ظل منافسة شخصيات بارزة مثل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي حافظ على علاقات قوية مع الحرس الثوري حتى نهاية الحرب بين إيران والعراق.
وراثة بلا خبرة
في المقابل، يُثار جدل واسع حول احتمال انتقال السلطة إلى نجله مجتبى خامنئي، وهو سيناريو يرى فيه الكاتب الإسرائيلي مئير جيفدنفر مؤشرًا على تراجع محتمل في كفاءة القيادة. فمجتبى، وفقًا للتقديرات، لم يشغل مناصب رسمية بارزة، ولم يختبر العمل السياسي العلني، بل بقي في الظل مستفيدًا من موقع والده. هذا النقص في الخبرة قد ينعكس سلبًا على قدرته في إدارة توازنات النظام المعقدة، والتي تتطلب مهارات تفاوضية عالية وقدرة على بناء توافقات بين مراكز القوى المختلفة.
ورغم أن منصب المرشد الأعلى يمنح صاحبه صلاحيات واسعة تتجاوز أي سلطة أخرى في إيران، إلا أن هذه الصلاحيات تبقى مرهونة بقدرة القائد على إدارة شبكة معقدة من المؤسسات، من الحرس الثوري إلى الأجهزة السياسية والدينية. ومن دون هذه المهارات، قد تتحول السلطة الواسعة إلى عبء يفاقم التوترات الداخلية بدلًا من احتوائها.
إيران تصعيد داخلي وغضب شعبي
جانب آخر من تداعيات الاغتيالات يتمثل في صعود شخصيات أكثر تشددًا إلى مواقع القرار، وهو ما قد يخدم، من وجهة نظر إسرائيلية، هدفًا مزدوجًا: إضعاف النظام من الداخل وتعميق الفجوة بينه وبين الشارع. فالشخصيات المتشددة غالبًا ما تتبنى سياسات أكثر صدامية، ما يزيد من الضغوط الداخلية والخارجية على إيران.
ويُستشهد هنا بحالة سعيد جليلي، الذي يُعد من أبرز التيارات المتشددة، وقد ارتبط اسمه بفترة مفاوضات مع أوروبا بين 2007 و2013، والتي انتهت بفرض عقوبات قاسية على إيران. ووفقًا لما ورد في التحليل، فإن أداءه في تلك المرحلة لا يزال حاضرًا في ذاكرة الرأي العام، ما يجعل احتمالات تعيينه في مواقع حساسة مصدر قلق داخلي، قد يفاقم من حالة السخط الشعبي بدلًا من تهدئتها.
هاجس الاختراق الأمني
لا تقتصر آثار الاغتيالات على الجانب السياسي، بل تمتد إلى البعد الأمني والنفسي داخل دوائر الحكم. إذ تشير التقديرات إلى أن القيادة الإيرانية باتت تعيش تحت ضغط دائم من احتمال الاختراق الاستخباري، خاصة مع الاتهامات المتكررة لجهاز الموساد بتتبع تحركات المسؤولين الإيرانيين بدقة.
هذا الشعور بالمراقبة المستمرة يعمّق حالة الشك داخل النظام، ويؤثر على جودة اتخاذ القرار، حيث يصبح القادة أكثر حذرًا وربما أقل قدرة على التحرك بحرية. كما أن الخوف من الاستهداف قد يدفعهم إلى تقليص ظهورهم العلني أو اتخاذ قرارات دفاعية مبالغ فيها، ما ينعكس سلبًا على فعالية الأداء العام للدولة.
حدود القوة والنتائج المتوقعة
في المحصلة، يرى الكاتب أن سياسة الاغتيالات، رغم ما تسببه من أضرار واضحة في بنية النظام الإيراني، لا ترقى إلى مستوى إسقاطه. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن هذا النوع من الاستراتيجيات نادرًا ما ينجح في إنهاء الأنظمة السياسية، لكنه يظل أداة فعالة لإضعافها وإرباكها على المدى المتوسط.
وبينما تستمر هذه الضربات في إحداث خلخلة داخل مؤسسات الحكم في طهران، يبقى السؤال الأهم متعلقًا بقدرة النظام على التكيّف وإعادة إنتاج نفسه، وهي قدرة أثبتها في مراحل سابقة، لكنها قد تواجه تحديات أكبر في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية، وتزايد حدة الصراع الإقليمي والدولي المحيط به.










