أحيا العالم أمس، الحادي والعشرين من مارس، اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري، وهي المناسبة التي ترمز عالمياً لانتصار القيم الإنسانية على نظام الفصل العنصري البائد في جنوب أفريقيا، إلا أن هذه الذكرى حلت في عام 2026 وسط واقع مأساوي يعيشه الشعب الفلسطيني، حيث يواجه صوراً مستحدثة وأكثر وحشية من "الأبارتهايد".
وأكدت الهيئة الدولية لحقوق الشعب الفلسطيني "حشد" أن الاحتلال الإسرائيلي لم يعد يكتفي بسياسات العزل التقليدية، بل أسس نظاماً قانونياً وعسكرياً متكاملاً يهدف إلى السيطرة المطلقة على الأرض وتجريد الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية والمدنية.
هذا النظام المؤسسي يتجلى في فرض وقائع بالقوة العسكرية عبر القتل الجماعي، والتجويع الممنهج كأداة حرب، وتوسيع الاستيطان، وتنفيذ الاعتقالات التعسفية، بالإضافة إلى نشر الحواجز العسكرية التي تحول حياة الملايين إلى جحيم يومي، في سعي حثيث لتكريس الضم الاستعماري وتهويد المعالم التاريخية لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً.
وتشير الأدلة الحقوقية والقانونية القاطعة إلى أن إسرائيل تعتمد منظومة استعمارية تمارس من خلالها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل التطهير العرقي والعقوبات الجماعية ومصادرة الأراضي.
ويرى مراقبون حقوقيون أن عزل المدن والقرى الفلسطينية وتحويلها إلى معازل شبيهة بـ "البانتوستانات" يمثل جوهر التمييز العنصري المعاصر، حيث يتم تطبيق قوانين تمييزية على الفلسطينيين تختلف تماماً عن تلك المطبقة على المستوطنين في ذات الرقعة الجغرافية، وهو ما يشكل مخالفة صارخة لكل قواعد القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة.
كما يبرز استمرار منع حق العودة لنحو ثمانية ملايين لاجئ فلسطيني منذ النكبة كأحد أركان هذا النظام العنصري الذي يهدف إلى تغيير الديموغرافيا لصالح المشروع الاستعماري، في انتهاك صارخ للمعاهدات الدولية التي تضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها والعودة إلى ديارها.
التمييز كركيزة لحرب الإبادة الجماعية
شددت الهيئة الدولية "حشد" على أن السياسات والجرائم الإسرائيلية الراهنة ليست مجرد حوادث منفصلة أو ردود فعل أمنية، بل هي جزء من نظام قانوني واستعماري متكامل يطال كل جانب من حياة الفلسطينيين اليومية، بدءاً من الحق في التعليم وصولاً إلى حرية التنقل والحصول على الخدمات الصحية الأساسية.
هذا التمييز العنصري بات يشكل انتهاكاً صارخاً للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، حيث يتم استغلال منظومة "الأبارتهايد" لتسهيل ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، خاصة في قطاع غزة الذي يعاني من حصار مطبق وتجويع متعمد.
واعتبرت الهيئة أن الإفلات المستمر من العقاب هو ما شجع الاحتلال على الانتقال من ممارسات التمييز إلى مرحلة الإبادة الشاملة، بهدف تقويض أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة أو ممارسة حق تقرير المصير، مما يجعل الشعارات الدولية حول المساواة والعدالة تبدو "جوفاء" ما دام الفلسطيني مستثنى من تطبيقها.
إن الواقع الميداني في مارس 2026 يشير إلى تصاعد خطير في اعتداءات مليشيات المستوطنين المسلحة على المدنيين وممتلكاتهم تحت حماية قوات الاحتلال، وهو ما يعزز فكرة "السيادة العنصرية" التي تُمنح فيها فئة حقوقاً مطلقة على حساب فئة أخرى تُجرد من أبسط وسائل الدفاع عن النفس.
وتؤكد التقارير أن هذا التداخل بين العمل العسكري الرسمي وعنف المستوطنين يهدف إلى تسريع عمليات التهجير القسري وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لوقف التعامل مع هذه الانتهاكات كقضايا قانونية تقنية، والبدء في التعامل معها كمنظومة سياسية وأيديولوجية تهدف إلى محو الهوية الوطنية الفلسطينية، وهو ما يستدعي تحركاً دولياً يتجاوز بيانات الإدانة والقلق إلى خطوات عملية تفرض ضغوطاً حقيقية على سلطات الاحتلال لوقف آلة القتل والتمييز.
مطالبات بالمساءلة الجنائية والحماية الدولية
أمام هذا المشهد القاتم، طالبت الهيئة الدولية "حشد" المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لتفعيل آليات المساءلة الجنائية الدولية، وحث المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على سرعة إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة الاحتلال وشركائهم الذين يثبت تورطهم في توجيه أو تنفيذ هذه السياسات.
واعتبرت الهيئة أن اعتبار "الفصل العنصري" ركيزة أساسية في التحقيقات الجنائية هو الخطوة الأولى نحو تحقيق العدالة كما تضمنت المطالبات إعادة تفعيل لجنة الأمم المتحدة لمناهضة الفصل العنصري، التي كان لها دور تاريخي في إنهاء نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، لمحاسبة إسرائيل وفرض عقوبات رادعة عليها، بما يشمل قطع التعاون العسكري والاقتصادي وضمان عدم تورط الشركات الدولية في دعم المنظومة الاستعمارية.
كما دعت "حشد" إلى تفعيل الحماية الدولية للشعب الفلسطيني عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة بصيغة "متحدون من أجل السلام"، لوقف منظومة التمييز والإبادة الجماعية بشكل فوري. ويشمل ذلك رفع الحصار عن غزة دون قيد أو شرط، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية الإغاثية والطبية، والعمل على وقف إطلاق نار دائم يمهد لإعادة الإعمار.
إن تفعيل هذه الأدوات القانونية والدبلوماسية ليس ترفاً، بل هو ضرورة لحماية السلم والأمن الدوليين، ومنع تحول منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة من الصراعات الناتجة عن غياب العدالة وتغول القوة العسكرية الاستعمارية على حساب القوانين والمواثيق التي تعاهدت عليها الأمم منذ عقود.
نحو جبهة عالمية لمناهضة الاستعمار العنصري
وأكدت الهيئة الدولية لحقوق الشعب الفلسطيني على أهمية توحيد كافة الجهود الحقوقية والدبلوماسية والقانونية على الصعيدين الإقليمي والدولي لمحاسبة الاحتلال على جرائمه المتعددة.
واعتبرت أن التحرك الدولي الفوري، مدعوماً بتضامن أحرار العالم ومنظمات المجتمع المدني العالمي، هو الطريق الوحيد لضمان استعادة حقوق الفلسطينيين وإعادة قضيتهم إلى صدارة الاهتمام العالمي كقضية تحرر وطني ضد نظام عنصري استعماري.
إن الهدف النهائي يجب أن يظل إنهاء الاحتلال وتفكيك منظومة السيطرة الاستعمارية بالكامل، لضمان مستقبل يسوده العدل والمساواة، حيث لا يمكن تحقيق سلام دائم في المنطقة طالما استمرت جذور العنصرية والاضطهاد في النمو فوق الأرض الفلسطينية، وطالما ظل العالم يقف متفرجاً أمام مأساة إنسانية تضرب بجذورها في قلب الوعي البشري المعاصر.







