أفادت تقارير إخبارية ميدانية بشن سلاح الجو الإسرائيلي سلسلة من الغارات الجوية العنيفة التي استهدفت بلدات وقرى في عمق الجنوب اللبناني، حيث تركز القصف بشكل أساسي على بلدة حاريص الواقعة في قضاء بنت جبيل.
وتأتي هذه العمليات في إطار التصعيد المستمر على الجبهة الشمالية، حيث يسعى الجيش الإسرائيلي من خلال هذه الضربات الموضعية إلى تحييد ما يصفها بالتهديدات الوشيكة.
ولم تقتصر الغارات على بلدة حاريص فحسب، بل امتدت لتطال منطقة المحمودية، مما يعكس رغبة إسرائيلية في توسيع بنك الأهداف ليشمل مناطق مأهولة وأخرى حيوية تُستخدم كخطوط إمداد أو مراكز رصد ميدانية. هذا التصعيد يضع المنطقة أمام واقع أمني معقد، حيث تتزايد المخاوف من سقوط ضحايا مدنيين وتدمير واسع في البنى التحتية نتيجة كثافة النيران المستخدمة في هذه الموجة الجوية.
إن اختيار قضاء بنت جبيل كمركز للعمليات العسكرية يحمل دلالات رمزية وميدانية كبيرة، نظراً للموقع الاستراتيجي لهذا القضاء وتاريخه في المواجهات الحدودية. ويرى مراقبون عسكريون أن استهداف بلدة حاريص بالتحديد يهدف إلى فك الارتباط بين القرى الحدودية وخطوط الدفاع الخلفية، مما يخلق حالة من الإرباك في التحركات الميدانية على الأرض.
هذه الغارات، التي وُصفت بأنها ضمن "العمليات الجراحية" الجوية، تهدف أيضاً إلى توجيه رسائل ردع قوية للقوى الموجودة في الجنوب، مفادها أن العمق اللبناني لم يعد بعيداً عن الاستهداف المباشر، وأن بنك الأهداف الإسرائيلي يتحدث باستمرار ليشمل نقاطاً لم تكن ضمن دائرة النار في جولات سابقة، وهو ما يرفع منسوب التوتر إلى درجات غير مسبوقة منذ بداية العام الجاري 2026.
توسيع النطاق ليشمل المرتفعات والممرات
في تطور لاحق يعكس تغيراً في التكتيكات العسكرية، امتدت رقعة الغارات الجوية لتشمل تضاريس جغرافية أكثر تعقيداً، حيث طال القصف مرتفعات السريرة وبلدة ياطر، وصولاً إلى وادي الحجير التاريخي.
هذا التوسع الجغرافي يشير بوضوح إلى أن العمليات العسكرية لم تعد تقتصر على مراكز القرى، بل انتقلت لاستهداف المرتفعات والممرات الاستراتيجية التي تمنح الطرف المسيطر عليها أفضلية تكتيكية من حيث الرؤية والتحكم في المحاور المرورية.
ويعد وادي الحجير، بوعورة تضاريسه وموقعه الرابط بين عدة مناطق جنوبية، هدفاً استراتيجياً من الدرجة الأولى، حيث يسعى الطيران الإسرائيلي من خلال قصفه إلى قطع طرق الإمداد المحتملة وشل القدرة على التحرك العسكري السريع بين الوديان والمرتفعات الوعرة.
ويعكس هذا التوزيع المدروس للضربات تركيزاً إسرائيلياً على الجغرافيا العسكرية، فاستهداف المرتفعات مثل السريرة يهدف بالأساس إلى تدمير منصات الرصد أو إطلاق القذائف التي قد تكون متمركزة في تلك النقاط العالية.
كما أن قصف بلدة ياطر والممرات الحيوية المحيطة بها يعزز من سياسة "الأرض المحروقة" في المناطق التي تُعد نقاط تماس أو ممرات عبور استراتيجية.
هذه الاستراتيجية الجغرافية تهدف إلى خلق منطقة عازلة بالنار، تمنع أي تحركات برية أو تعزيزات لوجستية، مما يضيق الخناق على التحركات الميدانية في الجنوب اللبناني ويجعل من عملية التنقل بين القرى والمناطق الجبلية مخاطرة كبيرة تحت أعين المسيرات وطائرات الاستطلاع التي لا تغادر الأجواء.
الأهداف التكتيكية وسيناريوهات التصعيد
تأتي هذه الغارات المكثفة في سياق تصاعد متواصل على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حيث تحول القصف الجوي والمدفعي المتبادل إلى حالة من الاشتباك المفتوح الذي يتأرجح على حافة الحرب الشاملة دون الانزلاق إليها بشكل كامل حتى الآن.
الأهداف التكتيكية لهذه الضربات تتجاوز مجرد التدمير المادي، فهي تهدف إلى استنزاف القدرات العسكرية واللوجستية في الجنوب، وفرض واقع أمني جديد يجبر الطرف الآخر على التراجع عن الخطوط الحدودية.
ومع تكرار الضربات الجوية بالتوازي مع القصف الصاروخي المركز، يبدو أن الجانب الإسرائيلي يتبع سياسة "الضغط المتصاعد" لانتزاع مكاسب ميدانية أو سياسية، مستغلاً تفوقه الجوي في استهداف النقاط الحيوية والمرتفعات الحاكمة التي تشكل عصب القوة الدفاعية في تلك المنطقة.
يظل الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لجميع الاحتمالات، حيث أن استهداف مرتفعات السريرة ووادي الحجير وحاريص يعكس قراراً إسرائيلياً برفع مستوى المواجهة لتشمل البنى التحتية الجغرافية والعسكرية على حد سواء.
إن استمرار هذه الغارات بهذا الزخم يوحي بأننا أمام مرحلة جديدة من الصراع، قد تتطور إلى مواجهة أوسع إذا ما استمر توسيع نطاق الاستهداف ليطال العمق اللبناني ومرافق حيوية أخرى.
ومع غياب أي أفق للحلول الدبلوماسية في الوقت الراهن، تظل الجبهة الشمالية مرشحة لمزيد من الاشتعال، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تطورات ميدانية قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة برمتها، في ظل ترقب دولي وإقليمي مشوب بالحذر من انفجار الموقف بشكل لا يمكن السيطرة عليه.










