تشهد محافظة الخليل، كبرى محافظات الضفة الغربية، حالة من التوتر الميداني المتسارع الذي لم يسبق له مثيل منذ أشهر، حيث تحولت بلداتها وقراها إلى ساحة لمواجهات يومية شرسة ومداهمات عسكرية لا تتوقف.
وتأتي هذه التطورات في ظل تقارير أمنية إسرائيلية تعرب عن قلقها المتزايد من إمكانية انزلاق الأوضاع في "جبهة الجنوب" نحو مواجهة واسعة النطاق قد يصعب احتواؤها، خاصة مع تزايد وتيرة التنسيق الميداني بين قوات جيش الاحتلال والمستوطنين المتطرفين، الذين باتوا يشنون هجمات منظمة تستهدف ممتلكات المواطنين وأراضيهم تحت حماية العسكر.
بلدات الجنوب: مواجهات الرصاص الحي وقنابل الغاز
خلال الساعات الأخيرة، تركزت العمليات العسكرية الإسرائيلية في مثلث بلدات "الظاهرية، بيت عوا، ودورا"، حيث اقتحمت عشرات الآليات العسكرية هذه المناطق وسط إطلاق كثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي باتجاه منازل المواطنين.
وفي بلدة دورا، اندلعت مواجهات عنيفة بين عشرات الشبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال التي تعمدت نصب كمائن في الأزقة والمناطق المرتفعة، ما أدى إلى وقوع إصابات متفاوتة بين صفوف المواطنين.
هذه الاقتحامات لم تعد تقتصر على البحث عن "مطلوبين" كما يدعي الاحتلال، بل تحولت إلى وسيلة لفرض العقاب الجماعي وترهيب السكان الآمنين عبر تخريب البنى التحتية وتحطيم محتويات المنازل أثناء عمليات التفتيش الاستفزازية.
وفي "مسافر يطا"، التي تعاني أصلاً من خطر التطهير العرقي، تصاعدت حدة الاعتداءات بشكل ينذر بكارثة إنسانية، حيث يسعى الاحتلال والمستوطنون إلى تضييق الخناق على الرعاة والمزارعين الفلسطينيين لحملهم على الرحيل القسري عن أراضيهم
. وتترافق هذه الهجمات مع نصب حواجز عسكرية طيارة تقيد حركة التنقل بين القرى والمدن الرئيسية، مما يعزل مناطق كاملة عن مراكز الخدمات الصحية والتعليمية، ويزيد من حالة الاحتقان الشعبي التي قد تنفجر في أي لحظة في وجه هذا التغول الاستيطاني والعسكري.
إحصائيات مقلقة وتحذيرات من فقدان السيطرة
تشير التقديرات الميدانية الصادرة عن مؤسسات حقوقية ومصادر محلية إلى تسجيل عشرات الاقتحامات في مناطق جنوب الخليل خلال فترة زمنية وجيزة، وهو ما يمثل قفزة نوعية في عدد العمليات العسكرية مقارنة بالفترات السابقة.
هذه العمليات تزامنت مع ارتفاع ملحوظ في حالات الاعتقال التعسفي التي طالت شبانًا وأطفالاً، فضلاً عن تسجيل إصابات مباشرة بالرصاص الحي والمطاطي وحالات اختناق شديدة نتيجة الاستخدام المفرط للغاز في المناطق السكنية المكتظة.
هذا التصعيد الممنهج يعزز من فرضية أن الاحتلال يسعى لاستباق أي تحرك شعبي عبر زيادة الضغط الأمني، إلا أن النتيجة الميدانية تؤدي إلى اتساع رقعة الاحتكاك اليومي وزيادة الرغبة في المواجهة لدى الأجيال الفلسطينية الجديدة.
من جانبها، تتابع الأوساط الأمنية في دولة الاحتلال بحذر ما يجري في الخليل، حيث تُنشر تحذيرات من أن الضغط الممارس قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تتمثل في انتقال العمل المسلح إلى مناطق جديدة أو اندلاع انتفاضة محلية يصعب السيطرة عليها نظراً للتعقيد الجغرافي والديموغرافي لمحافظة الخليل.
إن سياسة "قبضة الحديد" التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية المتطرفة حالياً في جنوب الضفة الغربية، تضع المنطقة بأكملها أمام سيناريوهات مفتوحة، حيث يتوقع المراقبون أن الأيام القادمة قد تشهد مزيداً من التصعيد في حال استمرت الاقتحامات واعتداءات المستوطنين دون رادع دولي أو قانوني.










