تعيش المنطقة حالة من الترقب الشديد في ظل تصاعد الحراك الدبلوماسي الذي تقوده قوى إقليمية وازنة لاحتواء المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، حيث أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية تلقي طهران رسائل من "دول صديقة" تتضمن طلباً أمريكياً صريحاً لإجراء مفاوضات مباشرة لإنهاء حالة التأزم العسكري.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر في الخارجية الباكستانية أن إسلام آباد تعمل حالياً كقناة اتصال رئيسية لنقل الرسائل المتبادلة بطريقة غير مباشرة بين واشنطن وطهران، في محاولة لرسم مسار تفاوضي يجنب الإقليم ويلات حرب شاملة قد تعصف بأمن الطاقة والملاحة.
وبالتوازي مع هذا الجهد، يسعى المثلث الدبلوماسي المكون من "إسلام آباد وأنقرة والقاهرة" إلى ممارسة ضغوط متوازنة على الطرفين لاختيار باكستان كمنصة لاستضافة أي محادثات مستقبلية، وهو ما يعكس رغبة هذه العواصم في استعادة المبادرة السياسية ومنع القوى الكبرى من الانفراد بقرار الحرب والسلم في الشرق الأوسط، خاصة مع تزايد الشكوك حول نوايا الإدارة الأمريكية الحالية وقدرتها على الالتزام بتعهدات دبلوماسية طويلة الأمد.
وفي تطور يعكس جدية الوساطة الباكستانية، كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" عن اتصالات رفيعة المستوى جرت خلف الكواليس، حيث تحدث قائد الجيش الباكستاني مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأحد الماضي، تلاها اتصال مباشر من رئيس الوزراء الباكستاني برئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية يوم الاثنين، مما يشير إلى أن المؤسسة العسكرية والسياسية في باكستان تضع ثقلها الكامل لإيجاد مخرج للأزمة. ومع ذلك، لا تزال المواقف الرسمية في طهران تتسم بالحذر الشديد والتشكيك، إذ سارع رئيس البرلمان الإيراني لنفي إجراء أي مفاوضات فعلية مع الولايات المتحدة حتى اللحظة، في محاولة للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وقطع الطريق على الإشاعات التي قد توحي بضعف الموقف الإيراني.
إن هذا التضارب بين حراك الوسطاء ونفي المسؤولين الإيرانيين يعكس تعقيد المشهد، حيث تفضل طهران إبقاء قنوات الاتصال سرية وغير ملزمة، بانتظار خطوات أمريكية ملموسة تثبت حسن النوايا وتتجاوز مرحلة "الرسائل الشفهية" التي لم تعد كافية لإقناع صانع القرار الإيراني بالجلوس إلى طاولة واحدة مع ترمب.
بين الحرب النفسية وصمود الميدان
وعلى الجانب العسكري، جاء بيان الحرس الثوري الإيراني ليعيد رسم حدود الاشتباك، واصفاً سلوك الرئيس الأمريكي بـ "المتناقض والمخادع"، ومؤكداً أن هذه المناورات السياسية لن تشتت انتباه القوات الإيرانية عن جبهات القتال أو تضعف عزيمتها في مواجهة ما وصفه بـ "العدو السيّئ". وشدد الحرس الثوري على أن الحرب النفسية التي يمارسها ترمب أصبحت مكشوفة وفاقدة للتأثير، معتبراً أن الصمود والبطولة اللذين أبدتهما إيران أدت إلى إرباك المعتدي وإثارة الشكوك في خططه وسيناريوهات الحرب التي كان يلوح بها.
هذا الخطاب العسكري المتشدد يهدف بالدرجة الأولى إلى إرسال رسالة لواشنطن وللوسطاء الإقليميين بأن إيران تتفاوض من موقع قوة وليس من موقع انكسار، وأن "المقاومة العزيزة" ستستمر بوصفها مفتاح النصر الوحيد، مما يضع الوسطاء في مأزق حقيقي، إذ يتعين عليهم إقناع واشنطن بتخفيف لهجتها العدائية وتقديم تنازلات حقيقية إذا أرادت فعلاً دفع طهران نحو التخلي عن خيار المواجهة العسكرية والقبول بمسار التسوية السياسية.
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن التنسيق الجاري بين القاهرة وأنقرة وإسلام آباد يتجاوز مجرد نقل الرسائل، ليشمل اتصالات منفصلة مع وزير الخارجية الإيراني والمسؤولين الدوليين المعنيين بالملف، في محاولة لبلورة "رؤية إقليمية" موحدة يمكن طرحها كبديل للتصعيد العسكري.
وتدرك هذه الدول أن استمرار المواجهة سيؤدي إلى تداعيات كارثية على البحر الأحمر وقناة السويس وحدود تركيا الشرقية، لذا فإن الضغط المصري والتركي يتركز على ضرورة وقف الهجمات المتبادلة كبادرة حسن نية تسبق أي اجتماع مرتقب.
ومع استمرار الحرس الثوري في تعبئة مقاتليه وتطوير قدراته الصاروخية، تظل فرصة النجاح الدبلوماسي معلقة بقدرة "ترامب" على تغيير استراتيجيته القائمة على "الضغط الأقصى" واستبدالها بمنطق الاحترام المتبادل، وهو أمر لا يزال يشكك فيه القادة في طهران الذين يرون في الصمود الميداني الضمانة الوحيدة لمنع واشنطن من فرض شروط إذلالية في أي مفاوضات مستقبلية.










