كشفت وزارة الصحة اللبنانية في أحدث تقاريرها الصادرة عن مركز عمليات طوارئ الصحة، عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الإنسانية الناتجة عن عدوان الاحتلال الإسرائيلي المستمر على الأراضي اللبنانية، حيث ارتفعت حصيلة الضحايا لتصل إلى ألف و39 شهيداً، بالإضافة إلى إصابة ألفين و876 جريحاً، وذلك في الفترة الممتدة منذ الثاني من مارس الجاري وحتى اليوم الإثنين.
وأوضح التقرير اليومي أن آلة الحرب الإسرائيلية لم تتوقف عن استهداف المدنيين والمناطق السكنية، حيث شهدت الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط استشهاد عشرة مواطنين وإصابة تسعين آخرين بجروح متفاوتة، مما يشير إلى تصاعد وتيرة الغارات الجوية التي طالت مناطق متفرقة من البلاد، متجاوزة كافة الخطوط الحمراء والقوانين الدولية التي تحمي المدنيين في النزاعات المسلحة، في ظل عجز دولي عن كبح جماح هذا العدوان الذي بات يهدد بتدمير البنية التحتية اللبنانية بالكامل وتحويل المدن والقرى إلى ساحات للدمار والنزوح الجماعي.
ويأتي هذا التصعيد الدامي في سياق تحول استراتيجي خطير في المنطقة، حيث اتسعت رقعة الحرب لتشمل الجبهة اللبنانية بشكل مباشر وواسع عقب إعلان "حزب الله" البدء في عمليات عسكرية مكثفة وإطلاق رشقات صاروخية باتجاه العمق الإسرائيلي، رداً على استشهاد المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وانتقاماً للاعتداءات المتواصلة التي لم تتوقف رغم اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة.
إن انخراط لبنان في هذه المواجهة الإقليمية الكبرى جاء نتيجة لانهيار التفاهمات التي أبرمت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حيث يرى المراقبون أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية قد دفع الأمور نحو نقطة الانفجار الشامل، محولاً الساحة اللبنانية إلى مركز ثقل في الصراع الإيراني الإسرائيلي المباشر، وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وزيادة الضغط على المنظومة الطبية اللبنانية التي تكافح من أجل التعامل مع التدفق الهائل للجرحى والمصابين في ظل نقص حاد في المستلزمات الطبية والوقود.
الميدان البري وصمود المقاومة
ميدانياً، دخلت المواجهة مرحلة أكثر خطورة منذ الثالث من الشهر الجاري، مع إعلان قوات الاحتلال الإسرائيلي مراراً عن الشروع في عمليات برية داخل الأراضي اللبنانية بهدف إقامة منطقة عازلة أو تدمير قدرات "حزب الله" العسكرية ومع ذلك، لا تزال التقارير الواردة من الحدود تؤكد تصدي مقاتلي الحزب للقوات المتوغلة بضراوة، حيث يخوض الطرفان اشتباكات عنيفة على تخوم القرى الحدودية، وسط قصف مدفعي وجوي إسرائيلي مكثف لتغطية تحركات الآليات.
إن الفشل الإسرائيلي في تحقيق تقدم بري سريع وسلس يعكس مدى استعداد المقاومة اللبنانية لهذه اللحظة، ويؤكد أن الأرض اللبنانية باتت تشكل مستنقعاً لقوات الاحتلال التي تحاول فرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة، بينما يصر الجانب اللبناني على أن الدفاع عن الأرض هو حق مشروع لمواجهة غطرسة المحتل الذي يسعى لتصدير أزماته الداخلية عبر إشعال الجبهات الإقليمية وملاحقة القيادات والرموز في المنطقة.
إن استمرار ارتفاع أعداد الضحايا من المدنيين اللبنانيين يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني صعب، خاصة مع استهداف مراكز الإسعاف والطواقم الطبية التي تحاول انتشال الشهداء والجرحى من تحت الركام. وتؤكد وزارة الصحة اللبنانية أن وتيرة العدوان المتصاعدة تجعل من الصعب إحصاء الأعداد النهائية للضحايا في بعض المناطق التي لا تزال تتعرض للقصف العنيف، محذرة من وقوع كارثة صحية كبرى إذا لم يتم تأمين ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإغاثية.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، يبقى صمود اللبنانيين وتصدي المقاومة للتوغل البري هو الرهان الوحيد لمنع الاحتلال من تحقيق أهدافه العسكرية، بانتظار تحرك دولي حقيقي يوقف نزيف الدم ويعيد الاستقرار لبلد الأرز الذي يدفع ضريبة باهظة في صراع إقليمي لا تلوح في الأفق نهايات قريبة له، خاصة مع إصرار كافة الأطراف على التمسك بمواقعها الميدانية والسياسية.










